في تطورات متسارعة تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران، لا تزال مساعي التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران تراوح مكانها، فلم تشهد انهيارًا كاملاً، ولم تحقق اختراقًا حاسمًا حتى صباح الخامس والعشرين من مايو 2026.
تصعيد ترامب: ربط الاتفاق بتوسيع اتفاقيات أبراهام
أدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بُعدًا جديدًا وغير متوقع على المفاوضات، من خلال تصريحاته الأخيرة على منصة “تروث سوشال”. فقد رفع سقف المطالب بشكل لافت، مشترطًا أن يفضي أي اتفاق مع طهران إلى انضمام المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وباكستان إلى اتفاقيات أبراهام. ولم يكتفِ بذلك، بل ألمح إلى إمكانية انضمام إيران نفسها لهذه الاتفاقيات، مؤكدًا بلهجة حاسمة: “إما صفقة عظيمة للجميع، وإما لا صفقة على الإطلاق، والعودة إلى الجبهات”.
تأتي هذه التصريحات بعد 48 ساعة من إعلانه أن الاتفاق مع إيران “جرى التفاوض عليه إلى حد بعيد”، قبل أن يعود ويوصي ممثليه “بعدم التسرع”. وفي المقابل، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو من نيودلهي أن هناك “شيئًا صلباً على الطاولة”، وأن المفاوضات “لا تزال قيد العمل”.
الموقف الإيراني والإطار الأولي للمفاوضات
على الجانب الآخر، نفت طهران أي التزام بتسليم ما لديها من اليورانيوم عالي التخصيب، مؤكدة أن مضيق هرمز سيبقى تحت إدارتها. وقد وصل المسار التفاوضي إلى مرحلة إطار أولي، وليس اتفاقًا نهائيًا بعد.
في العاصمة القطرية الدوحة، ناقش مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى مع رئيس الوزراء القطري صيغة تهدف إلى إنهاء الصراع وفتح مضيق هرمز. وتحدثت الأنباء عن مذكرة تفاهم مبدئية تتضمن 14 بندًا، تمنح الطرفين ستين يومًا للتوصل إلى التفاصيل النهائية. ووفقًا لما نقلته وكالة رويترز ومسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية (تحدث لـ”سي إن إن” و”سي بي إس نيوز” بشرط عدم الكشف عن هويته)، يرتكز الطرح على معالجة فورية لقضايا الحرب والحصار والملاحة، بما في ذلك إعادة فتح مضيق هرمز وإتاحة بيع النفط الإيراني بحرية. على أن يتم ترحيل القضايا النووية الأكثر تعقيدًا إلى مفاوضات لاحقة تركز على تقليص برنامج إيران النووي. ومع ذلك، لم يتم التوقيع على الاتفاق يوم الأحد كما أشارت بعض التسريبات، حيث أفاد المسؤول بأن إتمام مذكرة التفاهم قد يستغرق أيامًا إضافية.
تباين المواقف الأمريكية وتحديات إقليمية
زاد منشور ترامب الأخير المشهد تعقيدًا، حيث أدخل متغيرًا سياسيًا جديدًا لم يكن مطروحًا على طاولة التفاوض، وهو ربط الاتفاق بانضمام دول إقليمية إلى اتفاقيات أبراهام. هذا قد يقيّد قدرة بعض الوسطاء الإقليميين على الاستمرار في دورهم دون حسابات داخلية إضافية.
على الصعيد الأمريكي، برز تباين واضح بين لغة ترامب ووزير خارجيته. فبينما أكد روبيو أن بلاده ستُتيح للدبلوماسية “كل فرصة للنجاح قبل استكشاف البدائل”، مشيرًا إلى أن ترامب “لن يبرم اتفاقًا سيئًا”، ذهب ترامب أبعد من ذلك بكثير. فقد وصف اتفاقيات أبراهام الموسّعة بأنها ستكون “أهم صفقة وقّعتها هذه الدول على الإطلاق”، وطالب بأن يكون الانضمام إليها شرطًا لازمًا لإتمام أي تسوية مع إيران. وفي الداخل الأمريكي، حذّر السيناتور تيد كروز من أن أي اتفاق يبقي لإيران قدرات نووية أو سيطرة على المضيق سيكون “خطأ كارثيًا”، مما يضيق هامش المناورة أمام أي تسوية وسطى.
العقبات الجوهرية والمخاوف الإيرانية والإسرائيلية
من الجانب الإيراني، أفادت وكالة فارس شبه الرسمية أن أحدث النصوص المتبادلة تُبقي مضيق هرمز تحت الإدارة الإيرانية، ووصفت إعلان ترامب الأول بأنه “ناقص وغير متسق مع الواقع”. كما نقلت وكالة إيسنا عن دبلوماسي رفيع لم يُكشف عن اسمه أن طهران “لم تقطع أي التزام” بشأن اليورانيوم عالي التخصيب. وطالب مسؤولون إيرانيون بإنهاء الحرب على كافة الجبهات، بما فيها لبنان، وتحرير الأصول المجمّدة، وسحب القوات الأمريكية من المنطقة.
تتمحور العوائق الكبرى حول ملفات لم تُحسم بعد، أبرزها مسألة التخصيب النووي. فقد اقترح المفاوضون الأمريكيون وقفًا نوويًا مدته 20 عامًا، بينما ردت إيران بخمس سنوات، وهو ما رفضته واشنطن. ويتصل بذلك خلاف جوهري حول تسلسل الخطوات؛ فطهران تفضل إنهاء الحرب وفتح المضيق أولاً ثم التفاوض على الملف النووي لاحقًا، وهو ما يُفقد واشنطن ورقتها الضاغطة الرئيسية. وتُضاف إلى ذلك مخاوف إيران من تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018 دون ضمانات ملزمة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فيرى مسؤولوها أن الاتفاق الراهن قد يمنح إيران اعترافًا ضمنيًا بأن مضيق هرمز يمثل سلاحًا استراتيجيًا لا يمكن تعويضه بتنازلات نووية مؤجلة.
خاتمة: طموح أمريكي متزايد وهوة متسعة
ما تكشفه المعطيات حتى هذه اللحظة هو أن الهوة بين الطرفين لم تضيق بقدر ما اتسع الطموح الأمريكي. فترامب لم يعد يتفاوض على وقف إطلاق نار وملف نووي فحسب، بل بات يضع أمام المنطقة بأسرها رؤية لإعادة هيكلة شاملة لم يطلبها أحد. وفي مفاوضات بهذا الثقل، غالبًا ما يتبين أن رفع السقف كثيرًا قد يُشبه في نتيجته إغلاق الباب أمام أي تسوية ممكنة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق