شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في التوترات بين الإمارات العربية المتحدة وإيران، تمثل في هجمات متكررة بطائرات مسيّرة واستهداف لمواقع حيوية، بالإضافة إلى اتهامات إيرانية مباشرة لأبوظبي بالمشاركة في عمليات عسكرية ضد طهران. هذه التطورات تضع الإمارات في موقع حساس ضمن المشهد الإقليمي المتأزم.
تصاعد الهجمات والاتهامات
في 19 مايو 2026، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية عن اعتراض ست طائرات مسيّرة خلال 48 ساعة، كانت تستهدف مناطق مدنية ومنشآت حيوية. جاء هذا الإعلان بعد يومين من هجوم بثلاث مسيّرات استهدف محيط محطة براكة للطاقة النووية، حيث أصابت إحداها مولداً كهربائياً خارج النطاق الداخلي للمحطة. وأفادت أبوظبي بأن هذه المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، في إشارة محتملة إلى تورط جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، رغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن هذه الهجمات.
تضع هذه الوقائع الإمارات في موقف مغاير لدول الخليج الأخرى، التي سعت للحفاظ على مسافة من الصراع أو لعب دور الوسيط. فقد دخلت أبوظبي في مواجهة سياسية وأمنية أكثر وضوحاً مع طهران، مما يجعلها إحدى أكثر الدول الخليجية تعرضاً للضغوط المرتبطة بالصراع الإيراني.
مسار التوتر: من المواقف الصارمة إلى الاتهامات المباشرة
بدأ التوتر يتخذ منحى أكثر حدة مع اتساع نطاق الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. اتخذت الإمارات حينها موقفاً خليجياً صارماً تجاه طهران، حيث أغلقت سفارتها في العاصمة الإيرانية وسحبت بعثتها الدبلوماسية. وفي 5 أبريل، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية اعتراض 507 صواريخ باليستية، و24 صاروخاً جوالاً، و2191 طائرة مسيّرة منذ بدء الهجمات الإيرانية. وشكلت هجمات مايو، خاصة استهداف محيط محطة براكة، منعطفاً جديداً في هذا التصعيد.
على الصعيد السياسي، وجه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اتهامات مباشرة للإمارات خلال قمة “بريكس” في الهند بتاريخ 14 مايو، بمشاركتها المباشرة في العمليات العسكرية ضد بلاده. ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عنه قوله إن طهران لم تذكر الإمارات سابقاً “حرصاً على الوحدة”، لكنها تعتبر أن أبوظبي “شاركت بشكل مباشر في العدوان” على إيران. وحذر عراقجي، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، من أن القواعد الأمريكية والتحالف مع إسرائيل “لن يوفرا للإمارات الأمن”، داعياً أبوظبي إلى مراجعة سياساتها. وقد ردت الإمارات برفض هذه الاتهامات الإيرانية “غير المقبولة”. وبذلك، تجاوزت العلاقة بين الطرفين مستوى التوتر الدبلوماسي المعتاد، لتصبح أبوظبي إحدى ساحات الضغط الرئيسية في هذه المواجهة الإقليمية.
دوافع الاستهداف: القيمة الاستراتيجية والموقف السياسي
تتركز إحدى التفسيرات حول القيمة الاستراتيجية للإمارات. فهي ليست هدفاً عسكرياً عادياً، بل مركز مالي وتجاري عالمي، ومقر لشركات ومصالح دولية واسعة، وتضم موانئ ومنشآت طاقة ومرافق استراتيجية، أبرزها محطة براكة للطاقة النووية. لذا، فإن أي هجوم عليها، حتى لو كان محدود الأثر ميدانياً، يترك صدى يتجاوز الحدود الإماراتية، ويرسل رسالة قوية إلى الأسواق وشركات الطاقة وشركاء أبوظبي الدوليين ودول الخليج الأخرى.
يرى الباحث والمحلل السياسي الإماراتي، سالم الكتبي، أن الإمارات تمثل “مركز ثقل اقتصادياً واستراتيجياً” في المنطقة، وأن استهداف منشآتها أو ممرات التجارة والطاقة المرتبطة بها يخلق أثراً سياسياً واقتصادياً واسعاً. ومع ذلك، لا يكفي هذا التفسير وحده، فدول مثل السعودية وقطر والكويت والبحرين تتمتع أيضاً بأهميات استراتيجية متفاوتة.
يتداخل الموقع الاقتصادي للإمارات مع موقف سياسي بدا أكثر حدة تجاه إيران. يربط الباحث والكاتب الإماراتي، محمد خلفان الصوافي، التصعيد بالموقف الإماراتي نفسه، معتبراً أن أبوظبي كانت أكثر وضوحاً في رفض السلوك الإيراني، وأن طهران تحاول استغلال التباينات الخليجية في لحظات التصعيد. وتشير تقارير غربية وآراء خبراء إلى أن الموقف الخليجي لم يكن موحداً خلال التصعيد، حيث رفضت السعودية وقطر، وفق تلك التقارير، الانخراط في رد عسكري منسق ضد إيران، بينما بدت الإمارات أكثر استعداداً لاتخاذ موقف حاد. ويشير خبراء إلى أن إيران حاولت استثمار هذه الفروق للضغط على أبوظبي وإرسال رسالة أوسع لبقية العواصم الخليجية.
ضغط محسوب أم إعلان حرب؟
لا تبدو الهجمات والتهديدات ضد الإمارات، وفقاً لخبراء تحدثوا إلى “الحرة”، مقدمة تلقائية لجبهة جديدة بقدر ما هي جزء من محاولة إيرانية لرفع الكلفة على أبوظبي وإرسال رسالة إلى بقية الخليج. يرى الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي، العميد الركن حسن الشهري، أن الصراع لا يزال في جوهره بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكنه يضيف أن بعض الأطراف الإقليمية، ومنها الإمارات، باتت تدفع كلفة تموضعها السياسي والأمني. ويعتبر الشهري أن إيران تستخدم “رسائل محسوبة” لتجنب مواجهة شاملة مع دول الخليج، نظراً للكلفة العالية التي قد تترتب على تصعيد مفتوح. بهذا المعنى، يندرج الضغط على الإمارات ضمن منطق الردع، وليس إعلان حرب منفصلة، حيث تضغط طهران على أبوظبي لمعرفتها أن أي اضطراب فيها سيكون مرئياً ومؤثراً، دون السعي بالضرورة إلى حرب مباشرة.
في المقابل، يرى المستشار السياسي والدولي أحمد الخزاعي أن تركيز إيران على الإمارات يوحي بأن طهران باتت تتعامل مع أبوظبي كطرف فاعل في الحرب، لا مجرد حليف بعيد للولايات المتحدة أو إسرائيل. ويقول إن الرسالة الإيرانية موجهة أيضاً إلى بقية دول الخليج: إن الانخراط في المواجهة لن يمر بلا ثمن. بين هاتين القراءتين، تظهر صورة أكثر تعقيداً؛ فإيران قد لا ترى الإمارات وحدها عدواً مستقلاً، لكنها تستخدم الضغط عليها لاختبار حدود الرد الخليجي، وإرسال تحذير إلى العواصم الأخرى، ومحاولة إظهار أن بعض دول الخليج أكثر تورطاً من غيرها.
خليج بمواقف متباينة ورسائل متعددة
تكشف الأزمة أيضاً عن اختلاف في طريقة تعامل دول الخليج مع الصراع. فالموقف الخليجي لا يبدو موحداً بالكامل، لا في مستوى الخطاب ولا في مستوى الانخراط. تدرك إيران هذه الفروق؛ فهي تتعامل مع السعودية بحذر أكبر بسبب وزنها السياسي والإقليمي، ومع قطر من خلال حسابات مرتبطة بدورها في الوساطة. أما الإمارات، فتمثل بالنسبة إليها هدفاً ذا صدى عالٍ: دولة صغيرة نسبياً، لكنها ذات حضور اقتصادي عالمي، وبنية تحتية حساسة، وموقف سياسي حاد تجاه طهران.
هذا لا يعني أن بقية دول الخليج خارج دائرة الخطر، لكنه يجعل الإمارات، في هذه اللحظة، نقطة اختبار مبكرة لما قد يحدث إذا اقتربت الحرب من البنية الخليجية نفسها: الموانئ، المطارات، منشآت الطاقة، المدن الاقتصادية، والمرافق المدنية الحساسة. يرى الصوافي أن إيران لا تفرق جوهرياً بين دول الخليج، بل تغير نبرتها بحسب موازين الضغط. فعندما تكون طهران تحت ضغط دولي كبير، تميل إلى التهدئة، وحين تشعر بهامش أوسع للحركة، تعود إلى التصعيد. لهذا، قد يكون استهداف الإمارات مرتبطاً بموقف أبوظبي، لكنه أيضاً جزء من نمط إيراني أوسع في التعامل مع الخليج بوصفه مجالاً للضغط والمساومة.
رسالة تتجاوز أبوظبي
الضغط على الإمارات لا يقتصر على أبوظبي وحدها، بل يحمل رسالة أوسع إلى دول الخليج، وإلى واشنطن وتل أبيب أيضاً. قد تكون طهران تريد معاقبة الإمارات على موقفها السياسي، أو ردع دول خليجية أخرى عن الانخراط في الصراع، أو محاولة شق الموقف الخليجي عبر تصوير الإمارات كطرف أكثر تورطاً. وفي كل هذه الحالات، يصبح استهداف أبوظبي وسيلة لرفع ثمن الاصطفاف ضد إيران.
حتى الآن، لا تكفي الهجمات والاتهامات للقول إن الصراع أصبح إماراتياً-إيرانياً خالصاً. لكنها تكفي للقول إن الإمارات أصبحت واحدة من أكثر ساحات الضغط وضوحاً في المواجهة الحالية مع إيران. فاستهداف محيط محطة نووية مدنية، والعدد الكبير من الصواريخ والمسيّرات التي تقول أبوظبي إنها اعترضتها، والاتهامات العلنية من وزير الخارجية الإيراني، كلها وقائع تضع الإمارات في موقع متقدم داخل الأزمة.
بقلم: سكينة المشيخص – كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق