صورة لمحمد باقر سعد داوود الساعدي، قائد ميليشيا عراقية، متهم بالتخطيط لهجمات إرهابية.
السياسة

قمة بكين وتداعياتها: إيران تعزز موقفها والخليج يتدخل لتأجيل ضربة أمريكية محتملة

حصة
حصة

في أعقاب قمة بكين التي جمعت الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في 18 مايو 2026، لم تسفر المحادثات عن حلول ملموسة بشأن الملف الإيراني. ورغم تعهد الرئيس الصيني بتقديم المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز وعدم تزويد إيران بمعدات عسكرية، إلا أن الإعلام الرسمي الصيني لم يؤكد هذه الالتزامات. في المقابل، ردت طهران بتعيين شخصية متشددة من الحرس الثوري مسؤولاً عن ملف الصين، في خطوة فُسرت على أنها تعزيز لموقفها الاحتياطي.

تداعيات قمة بكين: دبلوماسية معقدة وتأهب عسكري

بعد أيام قليلة من القمة، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” أن ثلاثة من قادة الخليج – أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان – طلبوا منه تأجيل ضربة عسكرية كانت مقررة ضد إيران، مشيرين إلى وجود مفاوضات جادة جارية. وقد وافق ترامب على هذا الطلب، لكنه شدد على أن واشنطن مستعدة لـ “هجوم شامل واسع النطاق على إيران، خلال لحظة واحدة” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يضمن “لا أسلحة نووية لإيران”.

هذا التباين في المواقف بين التعهدات الصينية المعلنة وعدم تأكيدها رسمياً، بالإضافة إلى رد فعل طهران بتعيين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ذي الخلفية في الحرس الثوري، ممثلاً خاصاً لشؤون الصين، يشير إلى تعقيدات المشهد. وقد علق مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية لـ MBN بأن هذا التباين كان متوقعاً، وأن تعيين قاليباف “ليس مؤشراً على التهدئة، بل هو دليل على أن طهران تعزز علاقتها مع بكين كإجراء احتياطي في مواجهة واشنطن”.

وفي ظل هذه التطورات، يظل الجيش الأمريكي في حالة تأهب قصوى، بينما يبدو السلام الدائم هدفاً بعيد المنال. وفي هذا السياق، يرى السفير الأمريكي لدى الصين نيكولاس بيرنز، في مقابلة مع CNN بتاريخ 14 مايو، أن “تجربتي مع الصينيين تقول إنه أحيانًا تحصل على الكثير من الوعود، لكن عليك أن تراقب ما يأتي بعدها.”

حرب إيران الخفية: مكافحة الإرهاب والتهديدات المستمرة

رغم مرور أكثر من شهرين على اندلاع الحرب دون وقوع موجة الهجمات الإرهابية الإيرانية التي كانت متوقعة، يحذر الخبراء من أن التهديد لا يزال قائماً. ويحقق مسؤولون غربيون في مكافحة الإرهاب في أكثر من 12 هجوماً أو مخططاً تم إحباطه في أمريكا الشمالية وأوروبا منذ 28 فبراير.

في 15 مايو، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات إلى محمد باقر سعد داوود الساعدي، قائد يُعتقد أنه من كتائب حزب الله العراقية المدعومة من إيران، بالتخطيط لنحو 20 هجوماً على مؤسسات يهودية في أوروبا وأمريكا الشمالية. وتربط السلطات الساعدي بجماعة غير معروفة سابقاً تُدعى “جنود اليد اليمنى”، يُعتقد أنها مرتبطة بما لا يقل عن 11 مخططاً في بريطانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا. وقد رفعت بريطانيا مستوى التهديد الإرهابي إلى “مرتفع جداً” ونشرت شرطة لندن أكثر من 100 عنصر من مكافحة الإرهاب لحماية الجاليات اليهودية. كما أعلنت MI5، جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني، أنها رصدت خلال عام واحد أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران كانت تهدف إلى إيقاع قتلى.

ويرى ماثيو ليفيت من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن إيران تسعى إلى رفع كلفة الحرب عبر هجمات صغيرة تضغط على المجتمعات الديمقراطية دون أن تؤدي إلى رد مباشر. بينما أشار مسؤول في البنتاغون لـ MBN إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تحاول تحديد ما إذا كانت طهران توجه هذه العمليات أم أن الجماعات تتحرك بشكل مستقل، مضيفاً: “بصراحة، لا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك الآن.”

في المقابل، يرى أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط أن إيران لا ترى نفسها حالياً في وضع يدفعها للاعتماد على الإرهاب، معتبراً أن “الإرهاب هو فعل الرجل الصغير اليائس الذي لا يستطيع إسقاط القنابل عليك من ارتفاع 30 ألف قدم. وإيران لا ترى نفسها بهذه الصورة الآن.” ويختصر كولين كلارك من مركز صوفان، المتخصص في مكافحة الإرهاب، المسألة بالقول: “المشكلة الأساسية مع الخلايا النائمة أننا لا نعرف بوجودها إلا عندما تبدأ بالتحرك.”

صراع داخلي يهدد استقرار المؤسسة العسكرية الإيرانية

بينما كانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية تستهدف إيران من الجو، كان صراع داخلي يتصاعد على الأرض داخل القوات المسلحة الإيرانية نفسها. فقد أكد ثلاثة ضباط أكراد سابقين في الجيش الإيراني النظامي، بينهم عميد متقاعد، لـ MBN أن مواجهات مسلحة اندلعت بين وحدات من الحرس الثوري الإيراني وعناصر من الجيش النظامي في ست مدن إيرانية على الأقل خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً وبدأت في 28 فبراير، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين. وبعد ذلك، اعتقلت استخبارات الحرس عشرات الضباط في الجيش، ولا يزال كثير منهم قيد الاحتجاز.

هذا الصراع ليس بجديد، بل هو خصومة قديمة تعود إلى تأسيس روح الله الخميني للحرس الثوري عام 1979، بهدف حماية الجمهورية الإسلامية من انقلاب محتمل من الجيش النظامي الذي كان ولاؤه موضع شك. على مر العقود، وسّع الحرس نفوذه في المؤسسة العسكرية والسياسة والاقتصاد، مستحوذاً على موارد هائلة، بينما تُرك الجيش النظامي بمعدات قديمة وتمويل محدود، مما أدى إلى تراكم الاستياء بصمت لسنوات. وقد أدى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة 28 فبراير إلى غياب الشخصية الوحيدة التي كانت تضبط هذه التوترات.

وفي هذا الصدد، صرح فؤاد أبو رسالة، الأمين العام للجبهة العربية لتحرير الأحواز، لـ MBN: “الانقسام بين الحرس الثوري والجيش الإيراني أصبح أعمق في غياب المرشد الأعلى. الجيش يبحث عن فرصة للتحرر من الحرس، أو ربما لتصفية عقود من التهميش.” أما الباحث لامار أركندي، المتخصص في الحركات المتطرفة، فقد حذر: “عندما تبدأ التصدعات بالظهور داخل الأجهزة الأمنية نفسها، تنتقل إيران من حالة توتر إلى حالة عدم استقرار بنيوي. وهذا أخطر بكثير على النظام من مجرد معارضة سياسية عادية.”

تحول في استراتيجية دول الخليج: من الدفاع إلى الرد المباشر

لم تعد دول الخليج تكتفي بالوقوف على الهامش، فقد شهد هذا الأسبوع ثلاثة تطورات تؤكد تحولاً في استراتيجيتها تجاه إيران. ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الإمارات نفذت ضربات ضد أهداف إيرانية، بما في ذلك جزيرة لافان الاستراتيجية، رداً على هجمات إيرانية استهدفت منشآت إماراتية قبل وقف إطلاق النار في 7 أبريل. كما نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين غربيين وإيرانيين أن السعودية نفذت ضربات غير معلنة داخل إيران رداً على هجمات إيرانية استهدفت المملكة خلال الحرب، في أول مرة تضرب فيها السعودية الأراضي الإيرانية بشكل مباشر، مع الإبقاء على القنوات الدبلوماسية مفتوحة لاحتواء التصعيد. وأعلنت الكويت اعتقال أربعة عناصر على الأقل من الحرس الثوري الإيراني كانوا يخططون لهجمات على جزيرة بوبيان، أكبر جزر الكويت.

هذه التطورات تكشف عن خليج يتعامل مع إيران بطريقة مختلفة عن المواجهات السابقة، حيث تتجه أبو ظبي نحو الرد العسكري المباشر، بينما الرياض تضرب وتحافظ على الدبلوماسية، وتخوض الكويت حرباً استخباراتية على أراضيها.

البعد المصري: عامل جديد في معادلة الأمن الإقليمي

يضيف البعد المصري طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الإقليمي. فقد زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طائرات مقاتلة مصرية متمركزة في الإمارات إلى جانب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الأسبوع الماضي، واطّلع على ما وصفه الإعلام الرسمي بـ “جاهزية عملياتية” لقوة جوية مصرية منتشرة هناك. وقد أثار توقيت هذه الزيارة، في خضم تصعيد إقليمي كبير، اهتماماً واسعاً وينقسم المحللون بشأن دلالاتها المستقبلية.

يُذكر أن بودكاست “الدبلوماسي” استضاف هذا الأسبوع السفير رايان كروكر، الذي عبر عن قلقه من أن تبالغ إيران في تقدير صلابة موقفها. ساهم في إعداد “الأجندة” هذا الأسبوع: دلشاد حسين، أليكس ويليمينز، سكينة عبد الله، وأبوبكر صديق. يمكنكم متابعة منصات MBN الإخبارية لمواكبة آخر التطورات، ومشاركة آرائكم عبر: mbnagenda@mbn-news.com.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *