لبنان بين مسار دبلوماسي وتصعيد عسكري
يشهد لبنان حالياً مرحلة دقيقة تتداخل فيها مسارات الدبلوماسية مع واقع التصعيد العسكري المستمر. ففي ظل غياب مواجهة شاملة أو اتفاق سلام نهائي، تتجه الأنظار نحو الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والمقررة يومي الخميس والجمعة. يأتي هذا الحراك الدبلوماسي على وقع تصاعد ملحوظ في العمليات العسكرية، حيث شهد جنوب لبنان والبقاع ومشارف بيروت غارات إسرائيلية واغتيالات، فيما يواصل حزب الله هجماته على القوات والمواقع الإسرائيلية.
حراك دبلوماسي مكثف
في سياق الاستعدادات لهذه المفاوضات، تكثفت الاتصالات الدبلوماسية. فقد بحث الرئيس اللبناني، جوزاف عون، مع السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، التحضيرات للاجتماع المرتقب، مؤكداً على ضرورة ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار وعمليات نسف المنازل وتجريفها. من جانبه، ناقش رئيس الحكومة، نواف سلام، مع السفير الأميركي التطورات، مشدداً على أهمية تثبيت التهدئة ووقف الخروقات المتواصلة.
في المقابل، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع قناة CBS الأميركية، بأن الجانب الإسرائيلي يبحث مع لبنان “كيفية العمل معاً عسكرياً وسياسياً للتخلص من حزب الله”، مشيراً إلى أن الحرب مع حزب الله يجب أن تستمر بمعزل عن أي وقف محتمل للقتال مع إيران.
مفاوضات تحت وطأة التصعيد
منذ إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقف إطلاق النار في 16 أبريل وتمديده حتى 17 مايو، لم تتوقف الأعمال القتالية بشكل كامل، خصوصاً في جنوب لبنان. وفي هذا الصدد، يلفت الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد جورج نادر، إلى استمرار الغارات الإسرائيلية و”سقوط قتلى بشكل يومي”، موضحاً أن ما تحقق عملياً اقتصر على “وقف استهداف بيروت والضاحية الجنوبية، فيما يستمر التصعيد في الجنوب عبر تكثيف العمليات العسكرية”.
ويرى نادر، في حديث لموقع “الحرة”، أن التصعيد الإسرائيلي المتزامن مع المفاوضات “ليس منفصلاً عن المسار السياسي”، معتبراً أنه يندرج ضمن “محاولة إسرائيل توظيف مكاسبها العسكرية كورقة ضغط على طاولة التفاوض”. بينما يستبعد الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح أن تفضي المفاوضات إلى وقف المواجهات العسكرية، لأن حزب الله “ينظر إلى الصراع ضمن إطار إقليمي أوسع يتجاوز الداخل اللبناني”.
من جهته، يرى المحلل السياسي، جورج العاقوري، أن إسرائيل “تتعامل مع أي وقف لإطلاق النار بحذر شديد خشية منح حزب الله فرصة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة قدراته”.
موقف حزب الله من المفاوضات المباشرة
الثلاثاء، دعا الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، إلى رفض الحزب للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مطالباً الدولة اللبنانية بـ”الانسحاب من المفاوضات المباشرة التي تشكل أرباحاً خالصة لإسرائيل”، على حد تعبيره، داعياً إلى العودة إلى خيار التفاوض غير المباشر.
يشير العاقوري إلى أن اعتراض حزب الله “لا يرتبط بشكل التفاوض بقدر ما يرتبط بالجهة التي تقود هذا المسار”، لافتاً إلى أن “الدولة اللبنانية باتت هذه المرة الطرف الذي يدير المفاوضات بصورة مباشرة، بعدما كان القرار في مراحل سابقة مرتبطاً بإيران أو بالحزب نفسه”.
يُذكر أن الولايات المتحدة استضافت جولتين سابقتين من المحادثات المباشرة بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي لدى واشنطن، في إطار مساعٍ لوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين.
البعد الإقليمي للصراع
يتزامن الحراك السياسي مع تصاعد التوتر الإقليمي، حيث أعلنت إيران أن وقف إطلاق النار في لبنان كان من بين البنود التي طرحتها ضمن مقترح إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وهو اقتراح رفضه ترامب. ورداً على سؤال حول إمكانية انتهاء الحرب مع إيران بينما تستمر الحرب مع حزب الله، قال نتنياهو في مقابلته مع CBS: “ينبغي أن تكون كذلك”، مضيفاً أن إيران تسعى لربط أي وقف لإطلاق النار على جبهة ما بوقف مماثل على جبهات أخرى، وهو ما يرفضه نتنياهو.
يعتبر العاقوري أن ربط وقف إطلاق النار بأي اتفاق إيراني-أميركي “أمر طبيعي بالنسبة إلى حزب الله باعتباره جزءاً عضوياً من المشروع الإيراني في المنطقة”.
آفاق المفاوضات
على الرغم من اعتراض حزب الله، يؤكد العاقوري أن الدولة اللبنانية “ستواصل مسار المفاوضات لأن الحزب لم يترك أمامها خياراً آخر”، مشدداً على أن الحزب لا يملك القدرة على تعطيل هذا المسار، “وإن كان قادراً على التأثير في نتائجه بحكم امتلاكه ورقة الحرب والسلم”.
بدوره، يشير نادر إلى أن الوفد اللبناني “سيطرح ملفات تتعلق بانسحاب إسرائيل من الجنوب، وعودة النازحين إلى قراهم، إضافة إلى ملف الأسرى”، لكنه يلفت إلى أن “الولايات المتحدة وإسرائيل تربطان أي تقدم في المفاوضات بملف سلاح حزب الله”.
في ظل غياب مؤشرات حاسمة على نجاح المفاوضات في إنتاج تهدئة مستقرة، يبقى لبنان عالقاً بين حرب لم تنتهِ فعلياً وهدنة لم تنجح حتى الآن في فرض الاستقرار.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق