في خضم التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك تمديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار والهجمات الإيرانية على سفن الشحن في مضيق هرمز، لا يزال الوضع متقلبًا. ومع ذلك، برزت حقائق واضحة خلال الأيام القليلة الماضية، أبرزها الغموض الذي يكتنف مسألة السلطة والنفوذ في قمة الهرم السياسي الإيراني.
“في الوقت الحالي، يعمل النظام بدرجة أقل كهرم منظم حول شخصية مهيمنة واحدة، وبدرجة أكبر كتحالف متشدد يحاول إدارة الحرب والدبلوماسية والتنافس الداخلي في الوقت نفسه.” — حميد رضا عزيزي، زميل زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية
القيادة الإيرانية: وجوه في الظل وخلف الستار
إن قيادة إيران في زمن الحرب لا تعكس بالضرورة ما يظهر على الساحة الرسمية. فالرئيس، ورئيس البرلمان، ووزير الخارجية هم الشخصيات التي يتفاعل معها العالم الخارجي في المؤتمرات الصحفية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي اللقاءات الدبلوماسية. ومع ذلك، لا يمتلك أي منهم صلاحية اتخاذ القرارات المصيرية.
الرجال الذين يتولون زمام هذه القرارات هم أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني؛ ومحمد باقر ذوالقدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الذي جرى تعيينه تحت ضغط الحرس الثوري؛ ومحسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى. جميع هؤلاء القادة من قدامى الحرس الثوري، ولا يشغل أي منهم منصبًا منتخبًا، وقد استبعد رضائي علنًا أي تنازلات طالبت بها واشنطن.
هذه الحقيقة تحمل أهمية بالغة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار، حيث إن المفاوضين الذين يتابعهم العالم الخارجي لا يملكون السلطة لإنهاء أي اتفاق لم يحظَ بموافقة هؤلاء الثلاثة مسبقًا. ويُضاف إلى ذلك الوضع الغريب الناجم عن احتجاب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي لم تظهر حتى الآن أي إشارة على وجوده، وهو أمر له تداعيات أعمق مما قد يبدو.
غياب المرشد الأعلى: فراغ في قلب السلطة؟
لفهم مدى غرابة الغياب الكامل لخامنئي عن الظهور العام، يجب إدراك الأهمية المحورية لدور المرشد الأعلى في نظام الجمهورية الإسلامية. فبينما تكتفي العديد من الدول برئيس دولة رمزي، فإن دور “الرهبر” (القائد) في إيران يتجاوز ذلك بكثير.
بموجب الدستور الإيراني، يتمتع المرشد الأعلى بسلطة مطلقة على القضاء، والقوات المسلحة، والحرس الثوري، ووسائل الإعلام الحكومية، ومجلس صيانة الدستور – الهيئة المسؤولة عن مراجعة جميع القوانين والمرشحين للانتخابات. كما يحدد السياسات العامة للجمهورية الإسلامية ويشرف على السلطات الثلاث بأكملها. لا يمكن لأي مسؤول منتخب، سواء كان الرئيس أو رئيس البرلمان، أن يتجاوز صلاحياته. وتُدار السياسة الإقليمية لإيران مباشرة من مكتب المرشد الأعلى، بينما يقتصر دور وزارة الخارجية على الجوانب البروتوكولية.
تاريخيًا، أظهر المرشد الأعلى نفوذًا لا يُضاهى. فقد قام آية الله روح الله الخميني، أول مرشد أعلى، بعزل أول رئيس منتخب للبلاد، أبو الحسن بني صدر، عام 1981، مما أجبره على الفرار متنكرًا، وذلك بعد ثمانية عشر شهرًا فقط من فوز بني صدر بنسبة خمسة وسبعين في المئة من الأصوات. وبعد عقدين، فاز محمد خاتمي بالرئاسة في انتخابين متتاليين بأغلبية ساحقة بناءً على برنامج يدعو إلى التحرير السياسي وإصلاح المجتمع المدني. إلا أن المرشد الأعلى علي خامنئي ومجلس صيانة الدستور عملا على عرقلة أو إلغاء كل مبادرة مهمة حاول خاتمي تنفيذها خلال ثماني سنوات في منصبه.
مارس علي خامنئي السلطة العليا طوال فترة ولايته التي استمرت خمسة وثلاثين عامًا، حيث وجه بقمع الحركة الخضراء عام 2009 ووافق على الاتفاق النووي لعام 2015 رغم اعتراضات المتشددين. إن النظام الحالي لا يمتلك آلية واضحة للتعامل مع غياب المرشد الأعلى. ورغم تأكيد الحرس الثوري في بيانه عقب انتخاب مجتبى خلفًا لوالده بأن النظام لا يعتمد على فرد واحد، فإن عقيدة ولاية الفقيه، التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية، تتطلب وجود “رهبر” حاضر وفاعل لضمان استمرارية عمل النظام.
القوى الخفية: صناع القرار الفعليون في إيران
بعد سبعة أسابيع من الحرب، تحرك ثلاثة رجال لملء الفراغ الذي يبدو أن مجتبى خامنئي غير قادر على سده. جميعهم من قدامى الحرس الثوري الإيراني ولا يشغل أي منهم منصبًا منتخبًا.
أحمد وحيدي: القائد العام للحرس الثوري الإيراني
تولى وحيدي القيادة العليا للحرس الثوري في اليوم التالي لبدء الحرب، إثر مقتل سلفه في الضربات الافتتاحية. يُعد وحيدي اليوم الشخصية الأقوى في إيران، وهو ليس رجلًا يميل إلى التسوية. بصفته قائدًا للحرس الثوري، دفع بلا هوادة نحو التصعيد، فهاجم جيرانًا إقليميين رغم اعتراضات الرئيس مسعود بزشكيان الصريحة، ورفض كل محاولة من الحكومة المدنية لإعادة فرض السيطرة على صنع القرار في زمن الحرب. وحيدي مطلوب لدى الإنتربول منذ عام 2007 على خلفية تفجير مركز للجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، والذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا، وهو خاضع لعقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
محمد باقر ذوالقدر: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي
المجلس الأعلى للأمن القومي هو الهيئة الدستورية التي يجب أن تمر عبرها رسميًا جميع قرارات الأمن القومي في إيران. بعد مقتل علي لاريجاني في 17 مارس، تم تعيين ذوالقدر في مكانه. وقد أشارت تقارير إلى أن بزشكيان أُجبر على تعيينه ضد رغبته تحت ضغط الحرس الثوري. ذوالقدر شخصية من الجيل المؤسس للحرس الثوري، خدم نائبًا للقائد العام للحرس لمدة ثماني سنوات بعد الحرب الإيرانية العراقية، ثم أمضى ثماني سنوات أخرى نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة. ومن عام 2012 إلى 2020، شغل منصب نائب رئيس السلطة القضائية للشؤون الاستراتيجية، وهو منصب منحه نفوذًا متزامنًا داخل أجهزة الأمن والقضاء والاستخبارات في إيران. يُعد ذوالقدر متشددًا بكل المقاييس، وله مسيرة تسبق وتساهم في بناء الهياكل المؤسسية التي استخدمها قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الذي قُتل بضربة جوية أمريكية في بغداد في يناير 2020، لإسقاط القوة الإيرانية عبر المنطقة.
محسن رضائي: المستشار العسكري للمرشد الأعلى
قاد رضائي الحرس الثوري طوال الحرب الإيرانية العراقية، وهي السنوات الثماني القاسية التي شكلت الحرس الثوري ليصبح المؤسسة التي هو عليها اليوم. وفي سياق الحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من المهم الإشارة إلى أن رضائي كان الرجل الذي كتب إلى آية الله الخميني عام 1988 مجادلًا بأن إيران يمكنها الاستمرار في القتال ضد العراق، وأن الحرس الثوري لم يستنفد قدرته، وأن قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات، سيكون خيانة. لكن الخميني رفض رأيه، واصفًا القرار بأنه “تجرّع كأس من السم”، وانتهت الحرب.
قضى رضائي العقود التالية بعد تلك الحرب في العزلة السياسية، حيث ترشح دون نجاح للرئاسة وخدم أمينًا لمجلس تشخيص مصلحة النظام. وفي مقابلة تلفزيونية بصفته مستشارًا عسكريًا، أعلن رضائي بوضوح: “لن نتراجع بأي حال من الأحوال عن شروطنا العشرة في المفاوضات.” وتظهر إشاراته إلى حرب إيران–العراق (1980-1988) في المقابلة مدى استمرار ثقل ذلك الجمود المكلف عليه.
في وحيدي وذوالقدر ورضائي، تواجه الولايات المتحدة قيادة إيرانية تستبعد في مواقفها المعلنة، كما صرّحت بها منذ بدء وقف إطلاق النار، كل التنازلات التي طالبت بها واشنطن علنًا. ومن يتفاوض في إسلام آباد لا يمكنه إلا عرض شروط لم يقم هؤلاء الثلاثة برفضها مسبقًا.
الواجهة الرسمية: أدوار محدودة في زمن الأزمات
محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان
يُعد قاليباف الشخصية الأكثر ظهورًا في الدبلوماسية الإيرانية خلال زمن الحرب، حيث قاد الوفد إلى إسلام آباد. وهو الوجه الذي يراه العالم الخارجي أكثر من غيره هذه الأيام، وينشر بشكل شبه يومي على منصة X باللغة الإنجليزية بطلاقة لافتة (مما يثير تساؤلات حول هوية الكاتب الفعلي، إذ لا يُعرف عنه إتقان الإنجليزية). لكن هذا الظهور لا يعني بالضرورة قوة في اتخاذ القرار. فخلال محادثات إسلام آباد، حاول وحيدي إدخال ذوالقدر ضمن الفريق التفاوضي الإيراني رغم اعتراضات قاليباف وعراقجي الصريحة، اللذين جادلا بأنه لا يمتلك خبرة دبلوماسية. ذهب ذوالقدر على أي حال، وفي النهاية، تم استدعاء الوفد إلى طهران دون التوصل إلى اتفاق. وبحسب كل الروايات، فإن موقع قاليباف ضعيف مقارنة بموقع وحيدي.
مسعود بزشكيان: الرئيس
يحمل بزشكيان لقب الرئيس، وقد صرح بأن الحرب الحالية أكثر صعوبة من حرب إيران والعراق التي استمرت ثماني سنوات في الثمانينيات، لأن الضغط الاقتصادي مصمم لتفكيك المجتمع الإيراني من الداخل بدلًا من تدميره من الخارج. في أبرز تدخل له خلال رئاسته في زمن الحرب، في الأول من أبريل، ومع دخول الحرب أسبوعها الخامس، نشر بزشكيان رسالة مفتوحة مباشرة إلى الشعب الأمريكي على منصة X، ناشدهم فيها التساؤل عما إذا كانت الحرب تخدم مصالحهم. إن كون أبرز فعل دبلوماسي لرئيس حكومة هو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي موجه إلى جمهور أجنبي يختصر موقعه بشكل دقيق.
عباس عراقجي: وزير الخارجية
يُعتبر عراقجي أكثر مفاوضي النظام خبرة، إذ قاد محادثات إيران النووية خلال فترات حرجة. ومع ذلك، فإن دوره في المشهد الحالي يظل محدودًا، حيث تقتصر صلاحيات وزارة الخارجية على الجوانب البروتوكولية، بينما تُتخذ القرارات الاستراتيجية من قبل الدائرة الداخلية التي يسيطر عليها الحرس الثوري.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق