مسعى إماراتي لمواجهة ضغوط هرمز والحرب
في تطور لافت، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع إيران، عن احتمال تقديم “مساعدة مالية” لدولة الإمارات العربية المتحدة. وصرح الرئيس ترامب لشبكة “سي إن بي سي” بتاريخ 21 أبريل 2026 أن الولايات المتحدة تدرس “مبادلة عملات” مع أبوظبي، وذلك لمواجهة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الصراع وتعطل مضيق هرمز الحيوي، مشيراً إلى أن هذا الخيار “قيد النظر”.
جاء تصريح ترامب بعد ساعات من تأكيد مستشاريه استعداد واشنطن للتدخل عند الضرورة. فقد أبدى كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، استعداد الإدارة لتقديم الدعم “إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً واستمر في الإضرار باقتصاد الإمارات“، واصفاً أبوظبي بـ”الحليف بالغ القيمة” في مواجهة إيران.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد أفادت بأن محافظ المصرف المركزي الإماراتي، خالد محمد بالعمى، طرح هذا الأمر خلال اجتماعات عقدها مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الأسبوع الماضي في واشنطن. وطلب بالعمى “مظلة مالية احترازية” قد تتخذ شكل “خط مبادلة” دولاري، وفقاً لمسؤولين أميركيين.
خط المبادلة الدولاري: إجراء وقائي أم ضعف مالي؟
يرى خبراء أن طرح مظلة دولارية لا يعكس ضعفاً مالياً في الإمارات، بل يشكل خطوة وقائية لتوفير السيولة في ظرف استثنائي. وفي هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي لـ”الحرة” قائلاً: “هذا إجراء احترازي لتعزيز الاستقرار، لا طلب إنقاذ“.
ويُعرف “خط المبادلة”، الذي يدور النقاش حوله، بأنه ليس قرضاً بالمعنى التقليدي، بل هو ترتيب يتيح لبنك مركزي الحصول على الدولار من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مقابل عملته المحلية. ويصف الاحتياطي الفيدرالي هذه الآلية بأنها أداة لتخفيف الضغوط عن الدول المعنية ودعم الاستقرار المالي العالمي.
يذكر أن الاحتياطي الفيدرالي يحتفظ باتفاقيات مبادلة دائمة مع خمس مؤسسات نقدية كبرى فقط، هي بنك كندا، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، والبنك المركزي الأوروبي، والبنك الوطني السويسري. ويُعد طرح ترتيب مماثل مع الإمارات تطوراً لافتاً، خصوصاً أن الفيدرالي، حتى في ذروة أزمة كورونا، حين وسّع هذه الأداة مؤقتاً لتشمل تسعة بنوك مركزية إضافية، لم يضم بينها أي دولة عربية.
تحديات الدرهم والدولار في ظل التوترات
يأتي الحديث عن “المساعدة المالية” الأميركية لأبوظبي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للإمارات ودول خليجية أخرى، والتي تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى تعطّل كلي أو جزئي لعمليات تصدير وإنتاج النفط فيها. وزادت الأمور سوءاً مع الاضطرابات في حركة الملاحة ومرور ناقلات النفط في مضيق هرمز، الذي كان يعبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي خُمس الاستهلاك العالمي قبل الحرب. وتفيد تقارير “رويترز”، بتاريخ اليوم الثلاثاء، أن حركة الشحن عبر المضيق ما تزال متوقفة إلى حد كبير.
ويوضح القمزي أن “تعطل المضيق لا يعني توقف الدولار فوراً، لكنه يضغط على قنواته”، مثل إيرادات التجارة والطاقة، وتمويل الواردات، وكلفة الشحن والتأمين، إضافة إلى ثقة المستثمرين وتدفقات رأس المال إلى الاقتصاد الإماراتي.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي في الأسواق المالية عمرو زكريا، في حديث لموقع “الحرة”، أن “انخفاض مستويات الاقتراض يمنح الاقتصاد الإماراتي مرونة أكبر في التعامل مع مثل هذه الصدمات، لأن الموارد المتاحة يمكن توجيهها إلى دعم النشاط الاقتصادي لتشغيل استثمارات تدرّ دخلاً أعلى بكثير”.
يرتبط الدرهم الإماراتي بالدولار منذ عام 1997، وتقوم ثقة السوق في العملة، إلى حد كبير، على قدرة السلطات النقدية على توفير الدولار عند الحاجة وفي مختلف الظروف. وتشير البيانات الرسمية الإماراتية إلى أن أبوظبي في وضع مالي متماسك نسبياً. فقد أعلن المصرف المركزي، في مارس، أن احتياطياته من النقد الأجنبي تجاوزت تريليون درهم، فيما تمتلك البنوك سيولة وأصولاً تقارب 920 مليار درهم، وتغطية سيولة تتجاوز 146 بالمئة.
هل تهتز الثقة؟
بنت الإمارات جزءاً كبيراً من نموذجها الاقتصادي على صورتها كمركز آمن للأعمال والأموال في منطقة مضطربة. ولم يعد هذا النموذج قائماً على النفط وحده، فبحسب مصرف الإمارات المركزي، بلغت تجارة السلع غير النفطية 2.53 تريليون درهم في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ما يعكس اتساع القاعدة التي تأتي منها تدفقات النقد الأجنبي. لكن هذا الاتساع نفسه يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب يطاول الشحن والتأمين والطيران، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بحركة التجارة والخدمات ورؤوس الأموال.
وقد تحدثت تقارير عن أثرياء بدأوا يعيدون النظر في أماكن تمركز أصولهم، مع توجه بعضهم نحو مراكز مالية آسيوية منافسة، فيما أظهرت تحركات الأسهم الإماراتية حساسية واضحة مع الأحداث والتصريحات السياسية، صعوداً مع أنباء التهدئة وهبوطاً مع تعثرها.
ومع ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي عمرو زكريا أن “التحرك الاستباقي لبناء شبكات أمان سيولية لا يُقرأ بالضرورة كإشارة ضعف، بل قد يُنظر إليه في الأسواق باعتباره رسالة طمأنة”. ويضيف: “المستثمرون يفضلون الأنظمة التي تتحرك قبل الأزمة لا بعدها، ووجود تنسيق مع الجهة المصدرة لأهم عملة في النظام المالي العالمي قد يخفف المخاوف من أن تتحول السيولة إلى نقطة ضغط في الظروف الاستثنائية”.
وقد لا تبقى الإمارات الحالة الخليجية الوحيدة في هذا السياق. فمعظم دول المنطقة تتحرك ضمن نظام نقدي ومالي شديد الارتباط بالدولار، ما يعني أن أي ضغط طويل على التجارة والطاقة والثقة قد يدفع، كما يقول مراقبون، دولاً أخرى إلى البحث عن ترتيبات مشابهة لتعزيز السيولة واحتواء القلق في الأسواق.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق