خريطة المغرب تظهر الأقاليم الجنوبية مع التركيز على التنمية الجهوية واللاتمركز الإداري
السياسة

اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة: رؤية ملكية وتنمية شاملة بالأقاليم الجنوبية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يُعدّ اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة ركيزتين أساسيتين في مسار التنمية الشاملة بالمغرب، كما أكدت عليهما الرؤية الملكية السامية. يأتي هذا المقال لتحليل الأبعاد الاستراتيجية لهذين المفهومين، مستعرضًا التوجيهات الملكية ودورها في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، بالإضافة إلى تسليط الضوء على جهود التنمية الترابية في الأقاليم الجنوبية في سياق دولي.

الرؤية الملكية: دعائم اللاتمركز والجهوية المتقدمة

في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم الجمعة 09 أكتوبر 2026، حدد جلالة الملك سياقًا استثنائيًا مليئًا بالفرص لمواصلة مسيرة الإنجازات. أكد الخطاب على طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع التأكيد على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

لتحقيق هذه المعادلة الاستراتيجية، استند الخطاب الملكي إلى دوافع غير مادية، تتمثل في الاعتزاز بالانتماء لأمة عريقة ذات هوية دينية أصيلة تحت راية إمارة المؤمنين، وهوية حضارية متميزة وغنية بتعدد مكونات المغرب. هذه المرجعية الهوياتية والدينية والحضارية والتعددية تشكل القاعدة الصلبة لإنتاج السياسات العمومية والتشريعات الملائمة التي أسهمت في تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية. وقد لخص جلالته هذا التوجه بأن الاعتزاز بالوطن هو “الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”.

في ظل التسارع الجيو-اقتصادي العالمي، دعا جلالة الملك إلى إطلاق “جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى”، معتبرًا أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في “العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة”. وشدد على أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.

ومع ذلك، لم يغفل جلالته تقييم هذا الاختيار الترابي، مشيرًا إلى أن “التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية، واللاتمركز الإداري، تعكس سلبًا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين”. لذا، دعا إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات، مؤكدًا على ضرورة تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات ووضع آليات للتنسيق والتعاقد لتمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

من هذا المنطلق، يبرز التحدي في متابعة هذا الورش على المستويين التنفيذي والتشريعي لتحقيق مصالحة حقيقية بين الدولة والجهات، عبر ضبط آليات التعاقد والتنسيق، وعقلنة اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.

الأقاليم الجنوبية: التنمية الترابية كنموذج عالمي

في سياق متصل، استضافت مدينة جنيف السويسرية ندوة دولية يوم الأربعاء 9 شتنبر 2026، نظمتها تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية. جاءت الندوة تحت عنوان “التنمية في خدمة الإنسان: من الهامش الجغرافي إلى المتن الحقوقي والكوني”، وذلك على هامش أشغال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. هدفت الندوة إلى الدفاع عن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية بناءً على القرار الأممي 2797، وطرحت سؤالًا جوهريًا: “كيف نجعل من التجارب التنموية الإقليمية الحقوقية مدرسة للاقتداء العالمي؟” (عبد المالك أهلال، موقع العمق، 10 شتنبر 2026).

يمكن تلخيص أهداف الندوة في ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد الإنساني الذي يركز على مركزية الإنسان في العملية التنموية استنادًا إلى الحق في التنمية الصادر سنة 1986، والبعد الحجاجي الذي يستهدف الاستقلال السيادي، وأخيرًا البعد المؤسساتي الذي يعتمد على المرجعية الأممية من خلال القرارين الحقوقيين 42/23 و 60/7. وبذلك، شكلت الندوة مرجعية كونية لحل النزاعات الإقليمية المستعصية، معتمدة مقاربة تكاملية تجمع بين الجوانب العلمية والحقوقية والقانونية والسوسيو-اقتصادية، مع استحضار الأبعاد الجيو-استراتيجية الإقليمية والدولية.

تُمكن هذه المقاربة الشمولية من تحقيق إنجازات هامة مثل الربط القاري، وتطوير الطاقات المتجددة، والتمكين البشري، وتعميم الحماية الاجتماعية، وإدماج الساكنة الترابية في تحديد الأولويات، وهو ما تؤكده الفصول 12 و 13 و 14 و 15 من دستور 2011. يتطلب هذا التوجه وضع شبكة للقياس والتقويم للإجابة على تساؤلات حول مستوى الولوج إلى الخدمات، وجودة البنية التحتية، ومعدلات التشغيل، ومشاركة الفاعلين، ونسبة استفادة المواطنين من الماء والكهرباء والتمدرس. وقد قدم المتدخلون مؤشرات دالة على التطور التنموي بالأقاليم الجنوبية، بما في ذلك الناتج الداخلي الخام ومؤشر الفقر.

أسهم النموذج التنموي الجديد، الذي أطلقه جلالة الملك سنة 2015 بميزانية بلغت 77 مليار درهم وتطورت لاحقًا، في هذه الوضعية الإيجابية. اعتمدت المنهجية على مبادئ الترابية والمشاركة والاستدامة، مما يحول النزاعات إلى فرص للتعايش والتعاون على المصالح المشتركة.

كما تطرقت الندوة إلى مشكلة الهجرة، مؤكدة أن الفراغ التنموي وفقدان الثقة بين الدولة والتراب يدفعان المواطنين للهجرة. وبالتالي، تُعد التنمية سلاحًا سلميًا للحد من الهجرة، وذلك عبر مقاربة شمولية لا تقتصر على الجانب الأمني، مع صون كرامة المواطنين، واعتماد شراكة جنوب-جنوب وعلاقات رابح-رابح، خاصة مع الدول الأفريقية الشقيقة.

في هذا الصدد، يمكن استثمار المشروع الأطلسي الكبير الذي يضم 23 دولة مطلة على المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى دول الساحل جنوب الصحراء التي أعلنت انضمامها، بما يتماشى مع الأجندات الأفريقية لعامي 2030 و 2063.

اختتمت الندوة بخلاصات ترابية عالمية دعت إلى التعاون والاجتهاد في تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، استنادًا إلى القرار الأممي 2797، والتركيز على مجالات الطاقة، والفلاحة، والتعليم، والصحة، وتفعيل الدبلوماسية الترابية، وإحداث مرصد لمتابعة المشاريع التنموية الكبرى. وقد شارك في هذه الندوة نخبة من الأكاديميين والحقوقيين وفاعلي المجتمع المدني، منهم أيمن عقيل، والمعلوم أوبك، وسارة بارزي، ومينة لغزال، وعبد الوهاب الكاين. وسيعود المقال لاحقًا لتناول موضوع الجهوية المتقدمة والتنمية البشرية نظرًا لأهميته الاستراتيجية في الخطاب الملكي.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *