لم يكن الخطاب الملكي الأخير مجرد تحليل معمق للتحديات التي تواجه مسيرة التنمية الترابية، بل تضمن رسائل جوهرية تحدد ملامح المرحلة القادمة. فقد أكد جلالة الملك على ضرورة الانتقال الحاسم من نمط التدبير المركزي إلى حكامة ترابية حديثة، ترتكز على مبادئ القرب والنجاعة، مع تحديد واضح للمسؤوليات والاختصاصات.
الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري: من المفهوم إلى التطبيق
إن الحديث عن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يتجاوز كونه مجرد مصطلحات مؤسساتية براقة، ليصبح دعوة إلى ممارسة يومية ملموسة. يجب أن يشعر المواطن بآثار هذه المبادئ في جودة الخدمات العمومية، وسرعة إنجاز المشاريع التنموية، وقدرة المؤسسات المحلية على اتخاذ القرارات التي تلبي الاحتياجات الفعلية للساكنة.
مسؤولية الإدارة الترابية: شريك أساسي في التنمية
في هذا السياق، تبرز المسؤولية المحورية للإدارة الترابية كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسات العمومية على الصعيد المحلي. ينبغي أن يتمحور دورها حول المواكبة الفعالة والتنسيق المحكم، والسهر على التطبيق السليم للقانون، بما يضمن انسجام العمل العمومي. ومع ذلك، يجب أن لا يتحول هذا التنسيق إلى تداخل في الاختصاصات أو إلى ممارسة تحد من قدرة المؤسسات المنتخبة على تدبير الملفات التي خولها القانون صلاحية النظر فيها.
المجالس المنتخبة: سلطة القرار ومسؤولية المحاسبة
إن جوهر الجهوية المتقدمة يقتضي وجود مجالس منتخبة تتمتع بالصلاحيات الكافية لممارسة اختصاصاتها، وتتحمل كامل المسؤولية عن نتائج قراراتها أمام المواطنين. فالمنتخب الذي يتخذ القرار يجب أن يتحمل تبعاته، سواء كانت نجاحاً أو تعثراً. وفي المقابل، يظل المواطن الذي منح ثقته لممثليه هو الحكم النهائي في تقييم أدائهم، وذلك عبر الآليات الديمقراطية والمؤسساتية المتاحة.
وضوح المسؤوليات أساس النجاعة
عندما تتوزع المسؤولية بين أطراف متعددة، وتظل حدود الاختصاصات غامضة، يصبح مبدأ المحاسبة نفسه عرضة للالتباس. من هنا، تبرز أهمية الوضوح التام: من يملك سلطة اتخاذ القرار هو من يتحمل المسؤولية، ومن يتولى مهمة التدبير هو من يخضع للمحاسبة.
تكامل الأدوار لخدمة المواطن
الرسالة الأعمق التي يجب استيعابها هي أن الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة ليستا كيانين متنافسين، بل هما مؤسستان تكمل إحداهما الأخرى في سبيل خدمة المواطن. فالوالي أو العامل لا يحل محل المجلس المنتخب، كما أن المجلس المنتخب لا يمكنه العمل بمعزل عن الإطار القانوني المنظم. بين الطرفين، تكمن مساحة واسعة للتنسيق والتعاون وتبادل المعلومات، بما يضمن احترام الاختصاصات وتحقيق المصلحة العامة.
تحدي التنزيل الفعال
إن التنمية الترابية لا تستدعي تعدد مراكز القرار بقدر ما تحتاج إلى وضوحها، ولا تتطلب تضخم المساطر بقدر ما تتطلب السرعة والفعالية في التنفيذ. وإذا كان المغرب قد اختار مسار الجهوية المتقدمة، فإن نجاح هذا الخيار رهين بتحرير الطاقات المحلية، وتمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة صلاحياتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ على الدور التأطيري والمواكِب للإدارة الترابية والسهر على احترام القانون.
تطلعات المواطنين الجديدة
لقد تغيرت انتظارات المواطنين؛ فلم يعد المواطن يكتفي بمعرفة من يمثله، بل أصبح يطالب بمعرفة من يملك القرار، ومن بيده حل مشكلاته، ومن يتحمل مسؤولية أي تأخير أو تعثر في المشاريع والخدمات.
الخطاب الملكي: امتحان جديد للمؤسسات
يضع الخطاب الملكي الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة أمام امتحان حاسم: امتحان الانتقال من منطق تدبير الصلاحيات إلى منطق خدمة المواطن، ومن التداخل إلى التكامل، ومن غموض المسؤوليات إلى وضوحها. فالجهوية المتقدمة لن تقاس بعدد الاجتماعات واللجان أو حجم المراسلات الإدارية، بل بنتائجها الملموسة على أرض الواقع من مشاريع وخدمات وقرارات تلامس حياة المواطن.
أسس دولة المؤسسات
في الختام، إن احترام الاختصاصات ليس امتيازاً تمنحه مؤسسة لأخرى، بل هو ركيزة أساسية لدولة المؤسسات. وكلما كان القرار واضحاً، والمسؤولية محددة، والمحاسبة ممكنة، كانت التنمية أكثر فعالية، وترسخت ثقة المواطن في مؤسساته. لقد رسم الخطاب الملكي خارطة الطريق؛ والتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التوجيه السامي إلى ممارسة يومية، تتجسد فيها قيم التعاون في التنسيق، والمسؤولية في الاختصاص، والوضوح في القرار، والمحاسبة المرتبطة بمن يملك فعلاً سلطة التدبير.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق