متظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية في احتجاج سلمي بطنجة يواجهون بالقوة
المجتمع

الاحتجاجات ضد التطبيع في طنجة: تساؤلات حول حرية التعبير والموقف الرسمي من القضية الفلسطينية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

بعد أحداث العنف والاعتقالات التي شهدتها مدينة طنجة مؤخرًا ضد متظاهرين مناصرين للقضية الفلسطينية ورافضين للتطبيع، يطرح تساؤل جوهري حول ما إذا كان الاحتجاج السلمي على هذا الملف قد تحول إلى “خط أحمر” في المغرب. يأتي هذا في سياق يؤكد فيه المغرب، على أعلى المستويات، أن القضية الفلسطينية توازي في أهميتها قضية الوحدة الترابية للمملكة، وأن التطبيع مع إسرائيل لن يكون أبدًا على حساب فلسطين.

تناقض بين الموقف الرسمي والممارسات الميدانية

لطالما شكلت القضية الفلسطينية نقطة إجماع نادرة بين مختلف الأطياف السياسية المغربية، وشهدت المدن المغربية على مدار أشهر حرب الإبادة في غزة، وقبلها وبعدها، مسيرات ووقفات سلمية حاشدة تعكس تضامنًا شعبيًا واسعًا. هذه المشاهد كانت جزءًا من صورة حضارية للمغرب كبلد يدعم المظلومين. إلا أن ما حدث في طنجة، يومي السبت والأحد الماضيين، من تعنيف واعتقال لمواطنين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، يثير استغرابًا كبيرًا. فهل يعاقب هؤلاء لمجرد ممارستهم حقهم الدستوري والقانوني في التعبير السلمي، أم لأن ضمائرهم لم تستطع الصمت أمام مشاهد القتل الجماعي في غزة؟

الحق الدستوري في التظاهر السلمي

يؤكد الدستور المغربي، في مادته 29، على ضمان حريات التجمهر والتظاهر السلمي. الأصل في التعامل مع هذا الحق هو اعتباره تعبيرًا عن حيوية المجتمع وتعدديته، وليس مشكلة تستدعي التدخل بالقوة. وفي حال وجود مبررات قانونية أو أمنية لمنع وقفة معينة، فمن حق الرأي العام أن يكون على علم بها. ما يدعو للتساؤل هو أن نفس المتظاهرين، وبنفس الشعارات واللافتات، كانوا يمارسون حقهم في التظاهر لسنوات دون تدخل، فلماذا التغيير المفاجئ اليوم؟

مسؤولية السلطات في التوضيح وحماية المحتجين

حتى وإن كانت هناك اعتبارات قانونية أو أمنية أو تنظيمية تبرر منع وقفة، فإن ذلك لا يعفي السلطات من واجب توضيح هذه الاعتبارات للرأي العام. كما أنه لا يمنحها الحق في استخدام القوة المفرطة أو المساس بسلامة وكرامة المحتجين. فمبدأ التناسب في استخدام القوة يظل حاكمًا، وحماية الأشخاص وضمان سلامتهم واجب لا يسقط تحت أي مبرر. إن توقيف المواطنين لمجرد مشاركتهم في احتجاج سلمي يطرح تساؤلات حول الضرورة القانونية لهذه الإجراءات، وهل كانت هناك بدائل أقل تقييدًا للحقوق والحريات؟ فالتظاهر السلمي لا يجب أن يتحول إلى شبهة، والتعبير عن موقف سياسي أو إنساني لا ينبغي أن يكون مدخلاً للتضييق على أصحابه.

المواقف الملكية الثابتة تجاه القضية الفلسطينية

تزداد المفارقة حدة عندما نتذكر المواقف الملكية الثابتة تجاه القضية الفلسطينية. فجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، أكد في مناسبات عديدة على مركزية القضية الفلسطينية وضرورة حماية القدس الشريف والدفاع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين. هذه المواقف الرسمية يفترض أن توفر مساحة أوسع للتضامن الشعبي، لا أن تحوله إلى سبب للتوتر بين المواطن والسلطة.

ففي خطاب افتتاح الدورة العشرين للجنة القدس بمراكش عام 2014، شدد الملك على أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، وأن رئاسة اللجنة أمانة ومسؤولية كبرى. وبعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل في 2020، أكد الملك في رسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أن ترسيخ مغربية الصحراء لن يكون أبدًا على حساب نضال الشعب الفلسطيني. كما أن الملك استقبل قادة حركة حماس في الرباط عام 2021، في زيارة تضمنت لقاءات مع مسؤولين وبرلمانيين مغاربة، وزيارة لوكالة بيت مال القدس الشريف. وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 2023، دعا الملك المجتمع الدولي إلى فرض وقف فوري ومستدام لإطلاق النار في غزة.

رفض التطبيع حق للمغاربة

السؤال المطروح ليس حول حق الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية، بل حول مدى قبول تضييق المجال أمام المواطنين الذين يرفضون التطبيع ويطالبون بمراجعته. لا ينبغي أن يكون هناك تناقض بين موقف رسمي يدعم فلسطين وحق المواطنين في التعبير عن هذا الدعم. رفض التطبيع لا يعني رفض الدولة، والاحتجاج على خيار دبلوماسي لا يستهدف المؤسسات بالضرورة. من حق المغاربة أن يختلفوا مع التطبيع، وأن يعبروا عن مخاوفهم، وأن يطالبوا بمراجعته، طالما كان ذلك في إطار القانون وبوسائل سلمية. إن الأمن الذي يحمي المواطنين هو نفسه الذي يصون حقهم في الاختلاف والتعبير، لا الذي يجعلهم يخشون ممارسة حقوقهم الدستورية.

إن حرص المغرب على تقديم نفسه كبلد يدافع عن القضية الفلسطينية يقتضي أن يظل هذا الدعم ظاهرًا في حيوية مجتمعه وحرية مواطنيه في التعبير عنه. فصورة المغرب تكتمل بحرية المجتمع، ولا تكتمل بتقييد أصواته. ولا شيء يسيء إلى هذه الصورة أكثر من أن يرى العالم مواطنين يرفعون شعارات التضامن مع فلسطين فيواجهون بالمنع والتوقيف، بينما يستمر الخطاب الرسمي في التأكيد على عدالة القضية وثبات الموقف منها.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *