شهد المشهد السياسي المغربي، مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، عودة لافتة لظاهرة الترحال الحزبي، التي تتخذ هذه المرة أبعاداً جديدة ومختلفة عن سابقاتها. فبينما كانت هذه الظاهرة تبرز غالباً خلال الولاية الانتخابية، أصبحت اليوم تتركز في الفترة التي تسبق الاستحقاقات، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة التنافس الحزبي وتأثيره على المشاركة الانتخابية.
تطور ظاهرة الترحال الحزبي
في السابق، كان الترحال الحزبي يحدث عادة بعد فوز المنتخبين بمقاعد نيابية أو جماعية، حيث يغادرون الحزب الذي أوصلهم إلى حزب آخر. وقد دفع هذا النمط دستور 2011 إلى وضع قيود صارمة، أبرزها الفصل 61 الذي ينص على تجريد العضوية البرلمانية في حالات تغيير الانتماء الحزبي خلال الولاية التشريعية. أما اليوم، فقد تحول جزء كبير من هذه الظاهرة إلى ما يمكن وصفه بـ “المنطقة الرمادية” التي تسبق الانتخابات. فالعديد من الفاعلين السياسيين لا ينتظرون الفوز ليغيروا انتماءاتهم، بل يبحثون قبل الانتخابات عن الحزب الذي يوفر لهم أفضل فرص الترشح والفوز، من خلال التزكية والدعم المحلي والقدرة التنظيمية. هذا التحول يجعل المسألة أقرب إلى “الترحال من أجل التزكية”، بعيداً عن الاختلافات الإيديولوجية أو الخلافات الشخصية، وهو ما يفسر بروزها بشكل ملحوظ قبيل انتخابات 2026، وقد ينعكس سلباً على نسبة المشاركة الانتخابية التي تسعى السلطات لرفعها.
تأثير التنافس السياسي على الترحال
يمكن تفسير الترحال الحزبي الحالي بأنه نتيجة لتحول في طبيعة السياسة الحزبية. فبدلاً من النموذج التقليدي الذي يعتمد على ترشيح مناضلين ينتمون للحزب، نشهد اليوم نموذجاً انتخابوياً يركز على استقطاب شخصيات ذات رصيد انتخابي محلي، بغض النظر عن انتمائها السابق. هذا الواقع جعل القيمة الانتخابية للشخص في بعض الدوائر الانتخابية تتجاوز أهمية الانتماء الحزبي، مما يفسر التنافس الشديد بين الأحزاب على “استقطاب” المرشحين الجاهزين. وهكذا، أصبح التنافس الحزبي يتمحور بشكل أكبر حول الأشخاص والدوائر الانتخابية والرصيد الفردي، وليس فقط حول المشاريع والمرجعيات الحزبية.
أنماط الترحال الحزبي في المشهد الراهن
تسمح المعطيات الحالية بالتمييز بين ثلاث صور مترابطة من الترحال الحزبي قبيل انتخابات 2026:
- ترحال المرشحين: ينتقل المرشحون بين الأحزاب بحثاً عن التزكية التي تضمن لهم فرصة أفضل للترشح.
- استقطاب الأحزاب: تقوم الأحزاب باستقطاب مرشحين من خارج تنظيماتها وتمنحهم التزكية مباشرة، مستفيدة من شعبيتهم أو رصيدهم الانتخابي.
- احتجاج المناضلين: يعبر مناضلون عن احتجاجهم على طريقة توزيع التزكيات، متهمين القيادات بتفضيل المال أو النفوذ أو الوافدين الجدد على حساب المناضلين القدامى، مما قد يؤدي إلى استقالات أو الالتحاق بأحزاب أخرى.
حالات بارزة: الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال
شهدت أحزاب عريقة مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال حالات بارزة تعكس هذه الظاهرة. ففي الاتحاد الاشتراكي، أعلنت رجاء البقالي الطاهري استقالتها من المكتب السياسي، منتقدة ما وصفته بإقصاء المناضلات واعتماد “منطق المال” واستقطاب أسماء بلا حضور سياسي. كما استقالت المحامية مريم جمال الإدريسي في 23 غشت 2026، مؤكدة أن قرارها مرتبط بتحولات وممارسات لم تعد تتماشى مع مبادئ الحزب، مشيرة إلى تقارير حول اعتماد المساهمة المالية كمعيار للمفاضلة بين المرشحات. هذه الحالات تشكل ما يمكن تسميته بـ “الترحال الناتج عن أزمة التزكية”.
أما حزب الاستقلال، فقد شهد بدوره استقالات واحتجاجات محلية مرتبطة بتدبير التزكيات، خاصة في فاس ومناطق أخرى. ففي يوليوز 2026، أعلنت خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي استقالتها من الحزب ومن مسؤولياتها التنظيمية، على خلفية اختيار أسماء مرتبطة بعائلات سياسية معروفة. في المقابل، استقطب حزب الاستقلال شخصيات من خارج الحزب، مثل إدريس السنتيسي القادم من الحركة الشعبية، الذي حصل على تزكية الحزب في سلا. هذه الديناميكية تؤكد أن التزكية أصبحت أداة لإعادة توزيع النخب داخل المشهد الحزبي.
المرأة الحزبية وتحديات التزكية
تعتبر وضعية المرأة الحزبية كاشفة بشكل خاص لهذه الظاهرة، حيث تفرض اللوائح الجهوية النسائية منافسة داخلية محدودة العدد، مما يجعل التزكية مورداً سياسياً نادراً. وقد أبرز إعلان أسماء المرشحات الحاصلات على التزكية في حزب الاستقلال يوم 28 غشت حجم المنافسة الشديدة ليس فقط بين الأحزاب، بل أيضاً داخل الحزب الواحد بين النساء المتنافسات على مواقع محدودة.
تحول وظيفة الحزب: من التكوين إلى الاستقطاب
تكشف “حرب التزكيات” قبيل انتخابات 2026 عن تحول عميق في وظيفة الحزب. فبدلاً من أن يكون الحزب تنظيماً لتكوين المناضلين وتأهيلهم للعمل السياسي، أصبح يميل إلى استقطاب المرشحين الجاهزين الذين يمتلكون رصيداً انتخابياً أو مالياً أو علاقات محلية، حتى لو كانوا من خارج صفوفه. هذا الأمر يقلب العلاقة التقليدية بين الحزب والمناضل، ويطرح أطروحة “قرصنة النخب”، حيث تسعى الأحزاب إلى “قرصنة” النخب الانتخابية بدلاً من صناعة مناضليها. هذا التحول يجعل الترحال الحزبي ليس مجرد سبب، بل نتيجة لدينامية أوسع تتمثل في بحث المرشح عن الحزب الذي يستقبله، وبحث الحزب عن الأصوات الجاهزة، وشعور المناضل بأن انتمائه ونضاله لم يعد يكافأ.
خاتمة: دورة الترحال الحزبي الجديدة
يمكن تلخيص ظاهرة الترحال في انتخابات 2026 في سلسلة مترابطة: الترحال الحزبي ← استقطاب المرشحين ← حرب التزكيات ← تهميش بعض المناضلين ← استقالات ← ترحال جديد. هذه الدورة تعكس تحولاً جوهرياً في وظيفة الحزب، من تنظيم قائم على التكوين والنضال إلى كيان يسعى بشكل أساسي لاستقطاب الفائزين المحتملين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الحياة الحزبية والديمقراطية التمثيلية في المغرب.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







اترك التعليق