طالبان بعد خمس سنوات: سعي حثيث نحو الشرعية الدولية في ظل عزلة مستمرة
بعد مرور نصف عقد على إسقاط الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب في كابول، تجد حركة طالبان نفسها في مفترق طرق، حيث لم تتمكن بعد من ترجمة انتصارها العسكري إلى اعتراف دبلوماسي واسع النطاق.
احتفالات “يوم النصر” والواقع الدبلوماسي
أنفقت حكومة طالبان ملايين الدولارات للاحتفال بيوم 15 أغسطس، الذي تسميه “يوم النصر”، إحياءً لذكرى عودتها إلى السلطة قبل خمس سنوات. وقد تزامنت هذه العودة مع الانسحاب الأمريكي النهائي من أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة. وشهدت البعثات الدبلوماسية التابعة لحركة طالبان في جنوب آسيا والشرق الأوسط تنظيم فعاليات استقبال حاشدة بهذه المناسبة.
ومع ذلك، فإن حكومة طالبان، التي يهيمن عليها رجال الدين في الحركة، لا تحظى باعتراف رسمي كامل إلا من دولة واحدة هي روسيا. وفي المقابل، تسعى عشرات الدول إلى الحفاظ على علاقات دبلوماسية محدودة معها، سواء من خلال اعتماد سفراء ودبلوماسيين تابعين لطالبان، أو الإبقاء على تمثيل دبلوماسي في أفغانستان، أو السماح للحركة بأشكال محدودة من التمثيل الدبلوماسي.

تثبيت السلطة وغياب الشرعية الدولية
يشير خبراء في الشأن الأفغاني ودبلوماسيون إلى أن طالبان نجحت في ترسيخ أقدامها في السلطة، لكنها لم تتمكن من تحقيق الشرعية الدولية التي تطمح إليها. ففي غياب الاعتراف الرسمي الواسع، يظل حكام طالبان معزولين دبلوماسياً، على الرغم من جهودهم لتعزيز التعاون الاقتصادي والانخراط السياسي مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية.
ويكشف هذا الوضع عن فجوة جوهرية بين رغبة طالبان في الحصول على الاعتراف ومطالب المجتمع الدولي بإجراء تغييرات في أسلوب حكمها، لا سيما فيما يتعلق بالقيود الصارمة المفروضة على النساء والفتيات. وبعد خمس سنوات من عودة نظامها الديني المتشدد إلى الحكم، لا تزال الحركة تسعى لإقناع العالم بقبول عودتها إلى السلطة ونظامها في إدارة البلاد.
يقول إبراهيم بهيس، كبير محللي شؤون أفغانستان لدى مجموعة الأزمات الدولية: “ما لم تقدم طالبان تنازلات أكبر، لا يبدو الاعتراف الصريح بها من قبل الدول الإقليمية وغير الإقليمية أمراً محتملاً، على الرغم من أن ذلك كان دائماً مسألة محورية بالنسبة للحركة.”
سوابق تاريخية وسياسات متشددة
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها طالبان عزلة دولية. فقد كانت منبوذة عالمياً خلال فترة حكمها الأولى بين عامي 1996 وأواخر 2001، حيث أطاحت بها القوات الأمريكية وقوات التحالف في ديسمبر 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية. حينها، كانت باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الدول الوحيدة التي اعترفت بحكومة طالبان.
خلال تلك الفترة، فرضت طالبان حظراً شاملاً على تعليم النساء وعملهن، وعاقبت شرطة الأخلاق التابعة لها الرجال على حلق لحاهم أو مخالفة الفصل الصارم بين الجنسين أو عدم أداء صلاة الجماعة. كما كانت الحكومة الوحيدة في التاريخ الحديث التي حظرت التصوير وعاقبت على مشاهدة التلفزيون.
وفي السنوات الخمس الماضية، أعادت حكومة طالبان الحالية تطبيق سياسات مماثلة، وإن كانت بدرجة قسوة أقل وضوحاً. فالفتيات ابتداءً من الصف السابع ممنوعات من التعليم، ولا تستطيع النساء العمل في معظم القطاعات. كما ألغت طالبان وزارة شؤون المرأة واستبدلت بها وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المكلفة بفرض قوانين الحركة الأخلاقية الصارمة.
وأضاف بهيس: “كان المجتمع الدولي في البداية موحداً إلى حد كبير على أن عودة طالبان إلى السلطة بالقوة وفرضها القيود التي تفرضها سيعني عدم الاعتراف بحكمها أو قبوله.”

انقسام القيادة وتحديات الاعتراف
تظل قيادة طالبان وسياساتها الداخلية العقبة الرئيسية أمام حصولها على الاعتراف الدولي. فمنذ عودتها إلى السلطة، احتكرت الحركة الحكم، وعينت موالين لها في المناصب المهمة على مختلف مستويات الحكومة.
يرى حميد حكيمي، الخبير في الشأن الأفغاني لدى المجلس الأطلسي في واشنطن، أن قيادة طالبان منقسمة بين تيار براغماتي يسعى إلى الحصول على الشرعية الدولية، وتيار محافظ من رجال الدين المتشددين لا يرى قيمة كبيرة في الانخراط الدبلوماسي مع العالم الخارجي.
ويوضح حكيمي أن وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، ومسؤولين كباراً آخرين في كابول يسعون إلى توسيع علاقات الحركة مع المجتمع الدولي، بل وطرحوا فكرة عودة أفغانستان إلى سياسة عدم الانحياز والحياد في علاقاتها الخارجية، وهو ما كانت عليه أفغانستان خلال معظم سنوات الحرب الباردة.
لكن هذا التوجه البراغماتي، بحسب حكيمي، يواجه معارضة من زعيم طالبان، هبة الله أخوند زاده، ومسؤولين كبار آخرين يتبنون رؤيته، ويقدمون الشرعية الداخلية على العلاقات مع الدول الأخرى. وقال لـ”الحرة”: “بالنسبة إليهم، تنبع الشرعية من قيام الحكومة بخدمة الشعب. لكن مفاهيم العلاقات الخارجية والسفارات وحقوق الإنسان وحتى المواطنة لا تحظى بالقدر نفسه من الأهمية.”
وفي أحدث خطاب له هذا الأسبوع، تساءل أخوند زاده عن سبب حرمان حكومته من الشرعية، قائلاً لأنصاره في قندهار جنوبي البلاد: “حكومة الأمس، التي لم تكن تسيطر بشكل كامل على مقاطعة واحدة، حظيت باعتراف دولي، لكن إمارتنا الإسلامية اليوم، التي تسيطر بشكل كامل على جميع الأراضي الأفغانية، لا تحظى باعتراف رسمي من أي حكومة.”

و”إمارة أفغانستان الإسلامية” هو الاسم الرسمي الذي تطلقه طالبان على حكومتها وعلى الحركة.
ويشير حكيمي إلى أن دول جنوب ووسط آسيا المجاورة لأفغانستان، إلى جانب قوى إقليمية ودولية مثل الهند والصين، تبقي على علاقاتها مع حكومة طالبان حفاظاً على مصالحها الأمنية، بما في ذلك منع انتقال المسلحين والمخدرات أو تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين. وأضاف: “طالبان في أفغانستان، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تناصرها في المنطقة، تمثل خياراً جيوسياسياً أفضل من أي شيء سيحل محلها.” موضحاً أن انخراط دول المنطقة مع الحركة يأتي في إطار حسابات جيوسياسية براغماتية، خاصة بعد 20 عاماً من الصراع العنيف والوجود العسكري الأمريكي الضخم.
الاعتراف بحكم الأمر الواقع وتكلفة العزلة
صرح وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، مؤخراً لـ”بي بي سي” بأن الحركة أحرزت تقدماً كبيراً في العلاقات الدبلوماسية، حيث لديها ممثلون في نحو 40 بعثة دبلوماسية في الخارج، وأن هذه الاتصالات تقود إلى تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية. وقد اعترفت موسكو رسمياً بحكومة طالبان. كما قبلت دول مثل الصين وباكستان والإمارات وتركيا وأوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وقطر وإيران والهند والمملكة العربية السعودية وماليزيا وإندونيسيا وأذربيجان إما سفيراً لطالبان أو قائماً بالأعمال، أو تستضيف دبلوماسيين آخرين تابعين للحركة. وتدعي وزارة خارجية طالبان أن لديها تمثيلاً دبلوماسياً في طاجيكستان وسلطنة عمان والعراق والأردن والكويت. كما تعمل ما لا يقل عن 18 بعثة دبلوماسية أجنبية في كابول، وعينت طالبان ممثلين دبلوماسيين في ألمانيا والنرويج. ويواصل دبلوماسيون عينتهم الجمهورية الأفغانية السابقة العمل مع وزارة خارجية طالبان في تقديم الخدمات القنصلية في جمهورية التشيك وهولندا وبلغاريا. في المقابل، أغلقت السفارات والبعثات الدبلوماسية الأفغانية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا، وقطعت طالبان علاقاتها مع بعثات دبلوماسية في عدد من الدول الغربية.
يرى مشتاق رحيم، الخبير في الشأن الأفغاني المقيم في ولاية فرجينيا، أن رفض طالبان بناء نظام سياسي شامل يحظى بشرعية جميع الأفغان سيواصل عرقلة حصولها على الاعتراف الدبلوماسي الرسمي والقبول الدولي. ويضيف أن هذا الوضع يحمل المواطنين الأفغان العاديين كلفة أكبر، فهم مستبعدون من النظام المالي الدولي، وغير قادرين على السفر إلى عدد متزايد من الدول الغربية التي ترفض منح تأشيرات لأغراض الدراسة أو العلاج الطبي. ويعتقد رحيم أن تشدد طالبان يحرم الأفغان من المساعدات الإنسانية الدولية، في وقت لا تزال فيه أفغانستان تمثل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مؤكداً: “كل هذه المعاناة لم تؤثر في طالبان. ولم تتراجع خطوة واحدة.”
في المقابل، يرى عبيد الله باهير، المحاضر في العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في أفغانستان، أن النهج الغربي الحالي القائم على استخدام الاعتراف كورقة ضغط لم ينجح، بل دفع أفغانستان نحو مزيد من العزلة. ويقول إن عزلة أفغانستان في ظل حكم طالبان تضغط على اقتصادها الهش، وتمنع الأفغان من بناء حياة عامة وسياسية مستدامة يمكن أن تساعد في مواجهة سياسات طالبان المتشددة. واختتم قائلاً: “في نهاية المطاف، لا بد أن يأتي أي تغيير من داخل البلاد، لكن النهج الحالي القائم على عدم الاعتراف بالحركة يعرقل ذلك.”
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق