صورة للمخرج السينمائي المغربي الراحل مصطفى الدرقاوي
ثقافة وفنون

رحيل مصطفى الدرقاوي: جدل الحضور بين الواقع الافتراضي ووداع رائد السينما المغربية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أثارت مراسم تشييع جثمان المخرج السينمائي المغربي البارز، مصطفى الدرقاوي، يوم الجمعة الماضي بمقبرة الشهداء في الدار البيضاء، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الفنية والثقافية. فقد لوحظ حضور محدود للغاية في الجنازة، وهو ما دفع الكثيرين للتساؤل حول مدى توافق هذا الحضور مع المكانة الرفيعة التي يحظى بها الراحل كأحد رواد السينما المغربية.

وداع محدود في الواقع، صدى واسع في الفضاء الافتراضي

شُيع جثمان الدرقاوي، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 82 عاماً، بحضور عدد من أفراد عائلته وبعض المقربين، إلى جانب قلة قليلة من وجوه الوسط السينمائي، من بينهم الممثل زكرياء عاطفي، والمخرج حسن بنجلون، والناقد حسن نرايس. هذا المشهد المحدود جاء على النقيض تماماً من التفاعل الكبير الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي، حيث سارع فنانون ومخرجون وفاعلون ثقافيون إلى نعي الفقيد، واستحضار مسيرته الفنية الحافلة، وتقديم شهادات مؤثرة في حقه، فضلاً عن مشاركة صور وذكريات جمعتهم به.

هذا التباين اللافت بين الزخم الافتراضي والحضور الفعلي أعاد طرح إشكالية قديمة متجددة: هل تكفي كلمات الرثاء والشهادات الرقمية لتكريم مبدع راحل، أم أن الاعتراف الحقيقي بمكانته يقتضي تجسيداً واقعياً في لحظات الوداع الأخيرة؟

الناقد فؤاد زويريق: مفارقة “التشييع الافتراضي”

في هذا السياق، توقف الناقد السينمائي فؤاد زويريق عند هذه المفارقة، معتبراً أن حجم الحضور في جنازة الدرقاوي لا يعكس، في تقديره، القيمة الفنية والسينمائية الكبيرة للراحل، ولا يتناسب مع حجم التفاعل الذي رافق خبر وفاته على منصات التواصل الاجتماعي. وقد كتب زويريق في تدوينة له: “جميل كل هذه التعازي، وهذا النعي، وهذه الصور والكلمات المؤثرة في حق المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي التي تملأ الفيسبوك طولا وعرضا”، لكنه أضاف أن “المؤلم أن يتمخض كل هذا الزخم الافتراضي عن حضور محتشم في لحظة الوداع الأخيرة”.

ويرى زويريق أن هذا المشهد يكشف عن فجوة بين “التشييع الافتراضي والواقعي”، خاصة بالنسبة لأصدقاء الراحل وزملائه والمقربين منه على المستويين الإنساني والمهني. وأوضح أن ملاحظته لا تستهدف الدرقاوي وحده، بل هي ظاهرة تتكرر في جنازات العديد من الفنانين والمثقفين، مستحضراً في هذا الصدد جنازة الكاتب والشاعر محمد السرغيني التي شهدت ملاحظة مماثلة.

ورغم إقراره بأن غياب البعض قد يعود لأسباب وظروف خاصة، وهو أمر طبيعي، إلا أنه يطرح تساؤلاً حول تكرار ضعف المشاركة في وداع شخصيات ذات وزن كبير في المشهد الثقافي والفني. وانتقد زويريق التفاوت الملحوظ بين الحضور في مناسبات الشخصيات النافذة وتلك المتعلقة بالمبدعين، مؤكداً أن الفنان والمثقف “يستحق وداعا مشرفا يليق بمقامه ومقام المجال الذي يمثله”.

بالنسبة لزويريق، تتجاوز المسألة مجرد ظروف الدفن أو أسباب الغياب الفردي، لتعكس مشكلة أعمق في ثقافة الاعتراف بالمبدع، كما تفتح الباب للحديث عن ثقافة التملق والنفاق التي قد تسود أحياناً داخل الأوساط الفنية والثقافية. ويخلص إلى أن تقدير المبدع لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الإشادة بعد الرحيل، بل يجب أن يترجم إلى مواقف وحضور فعلي في الواقع.

مصطفى الدرقاوي: مسيرة رائدة في السينما المغربية

يُعد مصطفى الدرقاوي، الذي وُلد سنة 1944 بمدينة وجدة، من الأسماء المؤسسة للسينما المغربية الحديثة. بعد حصوله على شهادة البكالوريا في الفلسفة عام 1962 وتكوينه في المعهد الموسيقي للفن الدرامي بالدار البيضاء، انتقل إلى بولندا سنة 1965 لدراسة السينما بالمدرسة الوطنية العليا للسينما والمسرح والتلفزيون بمدينة وودج، وتخرج منها في شعبة الإخراج عام 1972.

بعد عودته إلى المغرب عام 1973، التحق بالمركز السينمائي المغربي قبل أن يغادره سنة 1975. وفي عام 1974، أسس شركة “بسمة للإنتاج” بالتعاون مع شقيقه عبد الكريم الدرقاوي والعربي بلقاف، ثم أسس لاحقاً شركة “آرت 7” سنة 1980، مؤكداً انخراطه العميق في الإنتاج السينمائي إلى جانب الإخراج.

“أحداث بلا دلالة”: أيقونة سينمائية تعود للحياة

ارتبط اسم الدرقاوي بشكل وثيق بفيلمه “أحداث بلا دلالة” الذي أخرجه سنة 1974، ويُصنف كأحد الأعمال المحورية في تاريخ السينما المغربية خلال سبعينيات القرن الماضي. يتتبع الفيلم مجموعة من المخرجين الشباب في الدار البيضاء وهم يبحثون عن موضوع لفيلم، ليتحول هذا البحث إلى نقاش فلسفي حول السينما، الواقع، والمجتمع.

لم يشهد الفيلم مساراً عادياً بعد إنجازه، حيث ظل بعيداً عن التداول لسنوات طويلة. إلا أن القدر شاء أن يُعثر على نسخته السالبة في خزانة سينمائية بإقليم كاتالونيا الإسباني سنة 2016. وبعد عملية ترميم دقيقة، عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة 69 لمهرجان برلين السينمائي الدولي سنة 2019، قبل أن يفتتح في العام نفسه الدورة العشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، ليعود هذا العمل الفني البارز إلى الواجهة بعد عقود من الغياب.

أعمال الدرقاوي المتنوعة

إلى جانب “أحداث بلا دلالة”، أخرج الدرقاوي عدداً من الأفلام السينمائية، منها “أيام شهرزاد الحلوة”، و”عنوان مؤقت”، و”رواية أولى”، و”لعب في الماضي”، و”الأبواب السبعة لليل”، و”المجاز الكبير”، و”غراميات الحاج المختار الصولدي”، بالإضافة إلى “كازابلانكا باي نايت” و”كازابلانكا داي لايت”. كما قدم أعمالاً تلفزيونية مثل “اثنان ناقص واحد”، و”احتضار زهرة”، و”بورتريهات عائلية”، وظهر ممثلاً في بعض أعماله.

تجربته لم تقتصر على الإخراج فحسب، بل شملت كتابة السيناريو والإنتاج والمونتاج والتمثيل، مما جعله من السينمائيين الشاملين الذين تولوا مهام متعددة في العمل الواحد، خاصة في مرحلة كانت فيها صناعة السينما المغربية لا تزال في طور التأسيس وبناء بنيتها المهنية والإنتاجية.

تكريمات ومكانة مستحقة

حظيت تجربة الدرقاوي باهتمام العديد من المؤسسات والمهرجانات السينمائية، حيث كرمه المهرجان الدولي للفيلم بمراكش سنة 2007 ضمن دورته السابعة. كما شكلت إعادة اكتشاف وعرض فيلم “أحداث بلا دلالة” في مهرجان برلين محطة مهمة في إعادة تقديم تجربته أمام جمهور سينمائي عالمي جديد، بعد سنوات طويلة من الغياب عن الأضواء.

بهذه المسيرة الحافلة، يترك مصطفى الدرقاوي إرثاً سينمائياً يمتد من سبعينيات القرن الماضي إلى السنوات الأخيرة، يضم أفلاماً وأعمالاً تلفزيونية لامست قضايا اجتماعية عميقة وواقع المجتمع المغربي. ويبقى فيلم “أحداث بلا دلالة” العمل الأكثر حضوراً في الحديث عن تجربته وعن مرحلة جوهرية من تاريخ السينما المغربية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *