في تطور قضائي لافت، عززت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء مكانة الأدلة الإلكترونية كوسيلة إثبات معتبرة أمام القضاء المغربي. فقد أصدرت المحكمة قرارًا يلغي حكمًا ابتدائيًا بالإفراغ لمحل تجاري، وذلك بعد أن قدم المكتري رسائل عبر تطبيق “واتساب” أثبتت حسن نيته واستعداده لسداد مستحقات الكراء ضمن الآجال القانونية.
تفاصيل القضية: من الإنذار إلى الاستئناف
تعود وقائع القضية إلى دعوى رفعتها الشركة المالكة للمحل التجاري الكائن بمدينة الدار البيضاء، مطالبةً بالمصادقة على إنذار بالأداء وإفراغ المكتري، مدعيةً تماطله في سداد واجبات الكراء خلال 15 يومًا من تاريخ توصله بالإنذار الرسمي. وقد استجابت المحكمة التجارية الابتدائية لهذا الطلب في حكمها الأول.
“واتساب” يقلب الموازين: أدلة رقمية وشهادات حية
غير أن مسار القضية اتخذ منعطفًا حاسمًا أمام محكمة الاستئناف التجارية. فبعد بحث معمق في حيثيات النزاع، شمل الاستماع إلى شهود ومحضر معاينة وتفريغ لمراسلات إلكترونية عبر تطبيق “واتساب” أنجزه مفوض قضائي، تبين أن ابنة المكتري كانت قد أرسلت رسائل إلى دفاع الشركة المكرية. هذه الرسائل تضمنت صورًا لشيكات، بالإضافة إلى طلب صريح لتحديد موعد لتسلم واجبات الكراء في الفترة المحددة بالإنذار، وهو ما لم يلقَ استجابة من الطرف المكري.
علاوة على ذلك، أكد الشهود أن عملية أداء الواجبات الكرائية كانت تتم بشكل معتاد في مقر المحل التجاري، وأن ممثل المكري امتنع عن الحضور لاستلامها بعد توجيه الإنذار، مما يشير إلى رفض متعمد لتسلم الأداء.
السند القانوني للقرار
استندت محكمة الاستئناف في قرارها إلى مقتضيات القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، والفصل 417 من قانون الالتزامات والعقود، معتبرةً المراسلات المدلى بها “قرينة قضائية قوية”. وقد تعززت هذه القرينة بشهادات الشهود، مما أضفى عليها حجية إثباتية لا تقبل الشك.
إلغاء حكم الإفراغ وتحميل المكري الصائر
بناءً على هذه المعطيات، رأت المحكمة أن الدفع بحالة التماطل لم يعد قائمًا، إذ ثبت أن التأخير في تنفيذ الالتزام يعود إلى رفض الدائن أو امتناعه غير المبرر عن تسلم المبالغ المعروضة عليه. ويأتي هذا القرار تفعيلًا لمقتضيات الفصل 254 من قانون الالتزامات والعقود، واستئناسًا بالاجتهاد القضائي لمحكمة النقض في قضايا مماثلة. وعليه، قضت المحكمة بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بالإفراغ، والحكم من جديد برفض طلب الإفراغ، مع تحميل الشركة المكرية كافة مصاريف الدعوى.
يُعد هذا الحكم سابقة قضائية مهمة تؤكد على مرونة القضاء المغربي في التعامل مع التطورات التكنولوجية، وتوسيع نطاق الأدلة المقبولة لتشمل المراسلات الإلكترونية، شريطة استيفائها للشروط القانونية اللازمة للإثبات.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق