في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج، والتي تشهد مراجعة دولية للشراكات الأمنية في ظل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الكويت نحو تعزيز روابطها الدفاعية مع باكستان. وتأتي هذه الخطوة في إطار مفاوضات أولية تهدف إلى توسيع التعاون الأمني، بالإضافة إلى بحث سبل التعاون في قطاعي الطاقة والاستثمار.
ووفقاً لخمسة مصادر مطلعة تحدثت لـ “الحرة”، لا تزال هذه المباحثات في مراحلها الأولى، ولم يصدر بعد أي إعلان رسمي من قبل الكويت أو باكستان يوضح طبيعة الاتفاق المرتقب أو مدى الالتزامات المتبادلة. هذه التطورات تأتي بعد أقل من عام على توقيع المملكة العربية السعودية وباكستان “اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك” في الرياض في سبتمبر 2025، والذي نص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدولتين بمثابة اعتداء على كلتيهما.
ورغم عدم الكشف عن التفاصيل العملياتية للاتفاق السعودي الباكستاني، إلا أن وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، كان قد صرح عقب التوقيع بأن قدرات بلاده ستكون متاحة للسعودية بموجب الاتفاق، في تصريح فُسّر على نطاق واسع بأنه يشمل الردع النووي، وإن لم يتضمن النص الرسمي إشارة صريحة لذلك. ولم يستبعد آصف حينها انضمام دول عربية أخرى لترتيبات مماثلة مستقبلاً، وهو ما يبدو أنه يتحقق الآن مع توجه الكويت نحو إسلام أباد لتعزيز تعاونها الدفاعي.
لماذا باكستان تحديداً؟
يشير الدكتور أحمد المليفي، الوزير وعضو مجلس الأمة الكويتي السابق، إلى أن التوجه الكويتي نحو تعميق التعاون الدفاعي مع باكستان يستند إلى جذور تاريخية راسخة بين البلدين. ويذكر المليفي مشاركة الجيش الباكستاني الفاعلة ضمن قوات التحالف الدولي التي ساهمت في تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، مما يعكس عمق هذه العلاقة.
كما أن البلدين وقعا بالفعل اتفاقية للتعاون المشترك في المجالين العسكري والدفاعي عام 2023، شملت تبادل الخبرات والاستشارات وتطوير المنظومتين العسكرية والدفاعية. وبالتالي، فإن المباحثات الراهنة تمثل استكمالاً طبيعياً وخطوة متقدمة ضمن مسار تعاون قائم منذ سنوات.
ويرى المليفي أن باكستان، بما تمتلكه من قدرات نووية، وجيش قوي، وخبرة عسكرية واسعة، تعد شريكاً استراتيجياً مهماً ليس فقط للكويت بل لدول الخليج عموماً. كما أن لها سجلاً حافلاً في تزويد المنطقة بالمدربين والمستشارين والعسكريين، فضلاً عن تنظيم برامج تدريب ومناورات عسكرية مشتركة.
وتكتسب إسلام أباد أهمية إضافية في ظل الأزمة الإقليمية الراهنة، حيث برز ثقلها الإقليمي وقدرتها على لعب دور الوسيط المقبول بين الولايات المتحدة وإيران. ويُعزز من مكانتها موقعها الجغرافي الممتد من الخليج العربي إلى بحر العرب والمحيط الهندي، كونها دولة مجاورة لإيران.
من جانبه، يربط الدكتور فهد الشليمي، العقيد الركن الكويتي المتقاعد والمحلل السياسي والاستراتيجي، أهمية باكستان بموقعها الجغرافي الاستراتيجي. ويشير إلى أن هذا الموقع يتيح لدول الخليج فرصاً واسعة لتوسيع التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والصناعات الدفاعية. كما يرى إمكانية الاستفادة من ميناء جوادر الباكستاني لتخزين جزء من احتياطيات الطاقة الخليجية خارج النطاق الجغرافي للمنطقة، كإجراء احترازي لمواجهة أي طوارئ محتملة.
هل تدافع باكستان عن الكويت مباشرة؟
يثير الحديث عن توجه الكويت نحو شراكة دفاعية مع باكستان تساؤلات حول الأثر الفعلي لهذه الاتفاقية المحتملة على أرض الواقع، خاصة في ظل استمرار الهجمات الإيرانية.
يعتقد الدكتور خليل ملا يوسف، مستشار جهاز الأمن السابق في الكويت، أن الاتفاق الدفاعي بين الكويت وباكستان، في حال إبرامه، لا يهدف بالدرجة الأولى إلى مواجهة الضربات الإيرانية المباشرة. فالاتفاقيات الدفاعية، بحسب رأيه، ترتبط عادة بأهداف استراتيجية أوسع، في مقدمتها تحقيق الردع قبل اللجوء إلى الأدوات العسكرية.
ويشير ملا يوسف إلى أن الثقل السياسي والعسكري لباكستان في الإقليم يمكن أن يشكل رادعاً فعالاً لإيران، ويدفعها إلى إعادة النظر في استهداف الكويت. ويستشهد بتراجع الهجمات على المملكة العربية السعودية بعد توقيع اتفاقها الدفاعي مع باكستان، وتصريح إسلام أباد بأن أي عدوان على المملكة سيُعتبر عدواناً عليها أيضاً. ومن الملاحظ أن هجمات الحرس الثوري الانتقامية، منذ بداية الحرب على إيران، تركزت بشكل أكبر على الكويت والبحرين والإمارات مقارنة بالسعودية.
في المقابل، يستبعد العقيد الشليمي أن تقدم باكستان تعهدات عسكرية مباشرة أو تنشر قوات على الأراضي الكويتية، وذلك نظراً لدورها الحساس كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران. ويعتقد أن إسلام أباد ستتوخى الحذر في تحمل التزامات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع طهران أو تؤثر على قدرتها في مواصلة جهود الوساطة.
لكنه يرى أن باكستان تمتلك أوراقاً سياسية قوية يمكن استخدامها للضغط على إيران، كما أن علاقاتها مع طهران تمنحها قدرة على التحرك والتواصل قد لا تتوافر لشركاء آخرين. وهذا قد يسمح لها بالجمع بين تطوير تعاونها مع دول الخليج والمحافظة على قنواتها السياسية مع الجانب الإيراني.
ويختتم ملا يوسف بالقول إن التفاوت في حجم الهجمات الإيرانية بين السعودية والكويت يعكس الأهمية المتزايدة للثقل الباكستاني في معادلة الصراع الإقليمي الراهن. ويعتبر أن المكسب الأهم للكويت من هذا الاتفاق المحتمل سيكون تعزيز قدرتها على الردع، مؤكداً أن إيران، وفق تقديره، تستجيب لرسائل القوة بشكل أكثر فعالية من الرسائل الدبلوماسية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق