لطالما هيمنت الشركات العالمية ذات العلامات التجارية الراسخة وسلاسل التوريد الضخمة والموارد المالية الوفيرة على أبرز الأسواق الاستهلاكية في ساحل العاج لعقود طويلة. لكن المشهد الاقتصادي يشهد تحولاً ملحوظاً، حيث بدأت مجموعة من الشركات الإيفوارية المحلية في شق طريقها بنجاح، لتثبت قدرتها على المنافسة والنمو.
تخوض هذه الشركات غمار قطاعات كانت حكراً على الكيانات الأجنبية، من توزيع المحروقات والخدمات المصرفية الرقمية إلى صناعة مستحضرات التجميل. وهي لا تكتفي ببناء قواعد جماهيرية قوية داخل البلاد فحسب، بل تتطلع أيضاً إلى التوسع خارج حدود ساحل العاج.
لا يعني صعود هذه الشركات تراجعاً للشركات متعددة الجنسيات، التي لا تزال لاعبين رئيسيين في الاقتصاد الإيفواري. بل إن تجارب شركات مثل “بترو إيفوار” (Petro Ivoire) و”دجامو” (Djamo) و”كايرا هولدينغ” (Kaira Holding) تسلط الضوء على استراتيجيات الشركات المحلية في المنافسة، من خلال السرعة في اتخاذ القرار، والفهم العميق للأسواق المحلية، والاستثمار في القدرات الإنتاجية.
بترو إيفوار: تحدي عمالقة قطاع المحروقات
عندما دخلت شركة “بترو إيفوار” قطاع المحروقات في ساحل العاج عام 1994، كانت شركات النفط العالمية تسيطر على معظم السوق. اليوم، تؤكد الشركة أنها أكبر موزع وقود مملوك محلياً في البلاد، وتحتل المرتبة الثالثة إجمالاً بعد “توتال إنيرجيز” (TotalEnergies) و”شل” (Shell).
يشير سيباستيان كاديو-موروكرو، الرئيس التنفيذي لشركة “بترو إيفوار”، إلى أن مؤسسي الشركة آمنوا بقدرة الأعمال المحلية على المنافسة من خلال الجمع بين المعرفة العميقة بالسوق والمعايير الدولية.
وصرح كاديو-موروكرو للجزيرة قائلاً: “في التسعينيات، كان السوق يُدار حصرياً من قبل الشركات متعددة الجنسيات. كانت فكرة والدي الراحل، بالنظر إلى الخبرة المحلية التي اكتسبناها في هذه الصناعة، أنه من المهم تقديم شيء أصيل للسوق المحلية مع الالتزام الصارم بالمعايير الدولية.”
تفيد الشركة بأنها تستحوذ حالياً على حوالي 15 بالمائة من سوق الوقود في ساحل العاج. ويؤكد كاديو-موروكرو أن الملكية المحلية تمنح الشركة مرونة وسرعة في اتخاذ القرارات مقارنة بمنافسيها الدوليين الأكبر حجماً. وأضاف: “عندما يتطلب الأمر اتخاذ قرار استراتيجي، يمكننا عقد مجلس إدارتنا فوراً والمضي قدماً. لا نضطر إلى التنقل عبر سلسلة طويلة من اتخاذ القرارات عبر المقرات الرئيسية في الخارج.”
ساهم هذا النهج في دخول “بترو إيفوار” سوق غاز البوتان عام 2007، وهو قطاع تقول الشركة إنها تتصدره حالياً. كما تستثمر الشركة في البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، استعداداً للتغيرات المرتقبة في قطاع النقل واستخدام الطاقة في ساحل العاج.
بالنسبة لكاديو-موروكرو، تعكس تجربة الشركة تحدياً أوسع يواجه الشركات الأفريقية: بناء الثقة بأن الشركات التي تُنشأ في القارة يمكنها المنافسة على نطاق واسع. وأكد: “يجب على الأفارقة أن يثقوا ببلدانهم، بأنفسهم وبقارتهم. لا يوجد سبب يمنعنا من النجاح في وطننا.”
دجامو: ريادة في الخدمات المصرفية الرقمية
في القطاع المالي لغرب إفريقيا، تتحدى شركة أخرى الطرق التقليدية للوصول إلى الخدمات المصرفية. أطلقت “دجامو” خدماتها في ساحل العاج عام 2020، مقدمة حسابات ومنتجات ادخار واستثمار عبر تطبيق للهاتف المحمول. وتفيد الشركة بأنها تخدم حالياً أكثر من مليوني عميل و10 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة.
بالنسبة للمؤسس المشارك حسن بورجي، كان أحد أكبر العقبات هو إقناع المستثمرين بأن منطقة غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية يمكن أن تنتج شركة تكنولوجية قادرة على التوسع. وصرح بورجي للجزيرة: “أكبر عقبة واجهناها هي أن منطقتنا كانت خارج رادار مستثمري رأس المال المغامر العالميين تماماً. تاريخياً، تدفقت استثمارات التكنولوجيا بشكل شبه حصري إلى أربعة مراكز رئيسية: نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا ومصر.”
سعت “دجامو” لتحدي هذا التصور من خلال إظهار للمستثمرين أن الشركات من الأسواق الناطقة بالفرنسية يمكن أن تنمو وتتجاوز حدودها. وقال بورجي: “أظهرنا للمستثمرين أنه من الممكن بناء شركة كبيرة هنا. سلطنا الضوء على استقرار اقتصادنا والفرنك الأفريقي، مما خلق بيئة قوية لنا للبناء والتوسع.”
ركزت الشركة بشكل كبير على المستهلكين الشباب، مصممة منصة تتناسب مع عادات جيل مألوف بالفعل مع الخدمات الرقمية. وأوضح بورجي: “كان جيل Z هو حجر الزاوية الذي بنينا عليه منتجنا. أردنا توفير تجربة تتوافق مع ما يواجهه الناس يومياً على المنصات الدولية.”
كايرا هولدينغ: من سرير قابل للطي إلى العالمية في مستحضرات التجميل
في عام 2009، أطلق فودي كايرا ياتاباري شركته لمستحضرات التجميل من شقة مكونة من غرفتين في أبيدجان. كانت الشقة بمثابة منزل ومكتب في آن واحد، حيث كان ينام كل ليلة على سرير عسكري قابل للطي، والذي كان عليه أن يطويه كل صباح لإفساح المجال للعمل.
اليوم، تصدر “كايرا هولدينغ” منتجات التجميل والعناية الشخصية إلى 32 دولة عبر إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. وقال ياتاباري للجزيرة: “أنتمي إلى جيل جديد من رواد الأعمال الأفارقة الذين يؤمنون بشغف بالتصنيع المحلي والقيمة المضافة. عندما بدأنا، كانت قيود رأس المال هائلة. انطلقنا من شقة صغيرة من غرفتين. لم نتمكن إلا من جمع أربعة ملايين فرنك أفريقي [حوالي 7000 دولار] لبدء إنتاج الصابون.”
منذ ذلك الحين، استثمرت الشركة في عمليات التعبئة والطباعة والتصنيع الخاصة بها، مما قلل اعتمادها على المدخلات المستوردة. وأضاف ياتاباري: “كثير من الناس لا يدركون أن تكاليف التصنيع في إفريقيا يمكن أن تكون في الواقع أقل من الصين إذا قمت بدمج سلسلة القيمة الخاصة بك بالكامل. هذا التكامل الرأسي جعلنا أكثر تنافسية.”
تتوسع “كايرا هولدينغ” الآن في قدراتها البحثية وتستعد لدخول أسواق جديدة، بما في ذلك الصين.
طموح أفريقي يتجاوز الحدود
لا تمثل تجارب “بترو إيفوار” و”دجامو” و”كايرا هولدينغ” نهاية نفوذ الشركات متعددة الجنسيات في ساحل العاج. لكنها تظهر كيف تبني بعض الشركات الأفريقية ميزة تنافسية من خلال البقاء على مقربة من المستهلكين، واتخاذ القرارات بسرعة، والاستثمار في قدراتها الذاتية.
بالنسبة لياتاباري، يعكس هذا الطموح عقلية متغيرة بين رواد الأعمال في القارة. واختتم حديثه للجزيرة قائلاً: “لقد تغيرت إفريقيا. نحن نمضي قدماً مدفوعين بطموح فريد: من ساحل العاج إلى العالم.”
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق