غادر المنتخب المغربي نهائيات كأس العالم من الدور ربع النهائي مرفوع الرأس، بعد أداء تاريخي رسخ مكانته كقوة كروية صاعدة على الساحة العالمية. وفي الوقت الذي احتفلت فيه الجماهير الفرنسية ببلوغ منتخب “الديوك” المربع الذهبي، عاد إلى الواجهة تساؤل جوهري يتكرر مع كل إنجاز يحققه هذا المنتخب: هل يمكن قراءة هذا النجاح بمعزل عن التاريخ الطويل الذي ربط فرنسا بالقارة السمراء؟
المنتخب الفرنسي: سؤال الهوية والتاريخ
قد يبدو هذا التساؤل للوهلة الأولى مثيراً للجدل، لكنه في جوهره سؤال سوسيولوجي عميق قبل أن يكون رياضياً بحتاً. فالمنتخب الفرنسي اليوم ليس مجرد نتاج لمنظومة تكوين كروية متطورة، بل هو امتداد مباشر لمسار تاريخي بدأ منذ أكثر من قرن مع التوسع الاستعماري الفرنسي، وتواصل عبر موجات الهجرة المتتالية التي أعادت رسم الخريطة الديموغرافية لفرنسا الحديثة.
تأثير الهجرة والتنوع الديموغرافي
يكفي إلقاء نظرة على التشكيلة الأساسية للمنتخب الفرنسي لفهم حجم هذا الامتداد. فمن نجوم كبار مثل كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، مروراً بلاعبين مؤثرين كأوريلين تشواميني وجول كوندي، وصولاً إلى المواهب الصاعدة مثل مايكل أوليسي وديزري دوي، تتنوع بلدان جذور هؤلاء اللاعبين، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: الجزء الأكبر من العمود الفقري للمنتخب الفرنسي يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالقارة السمراء.
هذه ليست مجرد ملاحظات انطباعية تهدف إلى إثارة الجدل، بل هي حقيقة ديموغرافية راسخة رافقت المنتخب الفرنسي لعقود. فمنذ تتويج فرنسا بمونديال 1998، لم يتوقف الحديث عن منتخب “Black-Blanc-Beur” كنموذج لفرنسا متعددة الأصول. ومن جيل زين الدين زيدان وتييري هنري وباتريك فييرا، إلى كريم بنزيمة وبول بوغبا ونجولو كانتي، وصولاً إلى الجيل الحالي، ظل اللاعبون المنحدرون من المستعمرات السابقة يشكلون الثقل الوازن لأقوى الأجيال التي صنعت أمجاد الكرة الفرنسية.
مفارقة “كليرفونتين” والخزان البشري
لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في المواطنة الفرنسية لهؤلاء اللاعبين، فهم مواطنون كاملو الحقوق. لكن ما يفرض نفسه بإلحاح هو تحليل النموذج الرياضي نفسه؛ فالإجابة عن سر هذا التفوق لا يمكن اختزالها في فكرة البنيان البدني أو في شعارات الاندماج التي يرفعها الخطاب السياسي كلما سُجلت الأهداف، وتتراجع كلما برزت أزمات الضواحي. المسألة أعمق؛ إنها تعكس تراكماً تاريخياً حولت فيه الدولة التنوع البشري إلى قوة رياضية ناعمة.
هنا تبرز مفارقة مركز “كليرفونتين” الوطني لكرة القدم. ففرنسا تمتلك، باعتراف الجميع، واحدة من أقوى منظومات التكوين في العالم، وتستثمر مئات الملايين لاكتشاف المواهب وتطويرها. لكن هذه الأكاديميات لا تصنع الموهبة من العدم، ولم تكن يوماً منفصلة عن الخزان البشري الهائل الذي أفرزته موجات الهجرة. القوة الكروية الفرنسية هي ثمرة التقاء حتمي لعاملين أساسيين: منظومة تكوين عالية الكفاءة، ورصيد بشري متنوع تشكل بفعل السياق التاريخي للهجرة والاستعمار. إن تجاهل هذا السياق هو تبسيط مخل للرواية التي تدعي أن المدرسة الكروية وحدها هي صانعة الإنجاز.
النموذج المغربي: رابطة الهوية
في المقابل، يقدم المغرب نموذجاً مختلفاً تماماً في إدارة العلاقة مع أبنائه في المهجر. فاللاعب المغربي المزداد في أمستردام أو باريس أو مدريد لا يُستقطب كمشروع لاعب مجنس، بل لأنه ينتمي، وجدانياً وثقافياً وعائلياً، إلى وطن ظل حاضراً بقوة داخل البيت عبر اللغة والعادات والذاكرة الجماعية. اختيار تمثيل المغرب لا يُفسر بمنطق الفرصة الرياضية فحسب، بل هو تعبير عميق عن استمرار رابطة الهوية عبر الأجيال.
التجربتان تنطلقان من أبناء المهجر، لكن بخلفيات متباينة: فرنسا تستثمر في أبناء هجرات ارتبطت بتاريخها الاستعماري، بينما يستعيد المغرب أبناء جاليته الذين غادر آباؤهم بحثاً عن فرص العيش، دون أن تنقطع صلتهم بالوطن الأم.
تساؤلات حول التمثيل الإفريقي في المونديال
بناءً على هذا الفهم العميق للسياقات، يبدو السؤال الختامي مشروعاً وملحاً: عندما يغادر آخر منتخب إفريقي المنافسة، بينما يواصل المنتخب الفرنسي رحلته بتشكيلة تعتمد في عمودها الفقري على الجذور الإفريقية، ألا يحق للمتابع أن يتساءل.. إن كانت إفريقيا قد غادرت المونديال فعلاً، أم أنها ما زالت حاضرة، ولكن هذه المرة تحت العلم الفرنسي؟ أو بصيغة أخرى، هل كانت فرنسا ستصل إلى ما وصلت إليه من إنجازات لولا الجواهر الكروية إفريقية الأصل؟ ولماذا ظلت فرنسا لعقود من الزمن عاجزة عن تشكيل منتخب وطني يضم على الأقل 50 بالمائة لاعبين من أصول فرنسية خالصة؟ ولماذا ارتبطت ذاكرة الكرة الفرنسية بأسماء (زيدان، بنزيمة، مبابي..) تركت بصمة عالمية لكنها في الأصل ليست فرنسية خالصة؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق