شهدت أسعار النفط العالمية قفزة ملحوظة بلغت حوالي 3.00 في المئة خلال جلسة التداول الأولى لهذا الأسبوع، وذلك بعد أن ارتفعت إلى مستويات تاريخية إثر تجدد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. يأتي هذا الارتفاع بعد فترة من الانخفاض شهدتها الأسعار عقب توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، والذي لم يدم طويلاً.
تجدد الصراع وإغلاق مضيق هرمز
يُعزى الارتفاع الأخير في أسعار النفط بشكل واسع إلى تجدد الصراع في المنطقة، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن “انتهاء وقف إطلاق النار”، وما تلاه من تبادل للضربات العسكرية بين الجانبين. وقد أدى انهيار الهدنة، التي كان من المقرر أن تستمر لشهرين على الأقل، إلى إعادة إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره حوالي 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. هذا التطور أثار مخاوف جدية حيال إمكانية حدوث نقص في المعروض العالمي من النفط في الفترة المقبلة، مما يغذي التكهنات باستمرارية صعود الأسعار على المدى القصير، وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى استمرار التصعيد العسكري.
على صعيد الأسعار، ارتفع خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) إلى 74.76 دولار للبرميل، مقارنة بإغلاقه نهاية الأسبوع الماضي عند 71.50 دولار للبرميل، مسجلاً مكاسب بنحو 4.56 في المئة. كما أضاف خام برنت حوالي 6.00 في المئة إلى قيمته، ليستقر في منطقة قريبة جدًا من 80 دولارًا للبرميل، مقابل 75.22 دولار للبرميل يوم الجمعة الماضي.
علاوة المخاطرة الجيوسياسية تعود للواجهة
أوضحت رانيا وجدي، خبيرة أسواق المال العالمية، في تصريح لبي بي سي نيوز عربي، أن “الارتفاع الأخير في أسعار النفط جاء بالدرجة الأولى نتيجة عودة علاوة المخاطرة الجيوسياسية إلى السوق بعد تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران”. وأضافت أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة الناتو في أنقرة، والتي أعلن فيها “انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران”، كانت بمثابة الشرارة التي أعادت هذه المخاطر إلى الواجهة.
وتُعرف علاوة المخاطرة بأنها قيمة إضافية تُضاف إلى أسعار السلع أو العملات لتعكس مخاوف الأسواق من اندلاع نزاعات أو تعطل الإمدادات، وهي زيادة غالبًا ما تخضع لها الأصول التي ينطوي تداولها على قدر كبير من المخاطرة.
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الضربات العسكرية، حيث أعلن الجيش الأمريكي في السابع من يوليو/تموز الجاري شن ضربات جديدة ضد إيران بهدف تقويض قدرتها على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز. وقد تبع ذلك دوي انفجارات في البحرين، وأفادت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بأن القوات الأمريكية “بدأت تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران بهدف تقويض قدرتها على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز”، وحمّلت واشنطن إيران “مسؤولية العدوان غير المبرّر على السفن التجارية”.
ولا تزال الضربات مستمرة، فقد أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية يوم الاثنين بسماع دوي انفجارات قرب مضيق هرمز وفي محيط بندر عباس وجزيرة قشم، مع الإبلاغ عن مقتل شخصين وإصابة آخرين جراء ضربات أمريكية في جنوب غرب إيران، وتحديدًا في ثلاثة مواقع قرب مدينة عبادان الغنية بالنفط.
عوامل قد تحد من استمرارية الصعود
كان النفط قد تعرض لخسائر كبيرة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار السابق، وذلك بسبب عدة عوامل ضاغطة، منها وقف إطلاق النار نفسه، وإعادة فتح مضيق هرمز، وزيادة إنتاج منظمة أوبك، وتراجع المخزونات الأمريكية. هذه العوامل مجتمعة من شأنها أن تؤدي إلى زيادة في المعروض وتفادي أي نقص في الإمدادات، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى هبوط الأسعار.
وفي هذا السياق، تشير رانيا وجدي إلى أن “الهبوط حدث نتيجة لأن الأسواق أعادت تقييم المخاطر وسط تجدد الأعمال العسكرية الأمريكية الإيرانية في المنطقة، ولم يأتِ نتيجةً لتحسن طبيعي في معدل الطلب العالمي”. وترى وجدي أن هناك إمكانية لأن يعكس النفط الاتجاه الصاعد الحالي إذا توافرت بعض العوامل، أبرزها العودة إلى المفاوضات بين واشنطن وطهران. وتضيف: “العامل الأسرع تأثيراً سيكون أي تراجع في حدّة التصعيد أو عودة إلى المسار الدبلوماسي، فقد رأينا خلال الفترة الماضية أن علاوة المخاطرة يمكن أن تتراجع سريعاً بمجرد ظهور مؤشرات جادة على التهدئة، حتى قبل الوصول إلى اتفاق سياسي كامل”، مؤكدةً أن ما يحدث يمكن أن يكون “موجة صعود قد تنعكس”.
من جانبها، أعلنت مجموعة أوبك+، أكبر تحالف نفطي عالمي، زيادة إنتاجها بواقع 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من أغسطس/آب 2026، وذلك في إطار خطة لتعويض الخفض الطوعي الإضافي للإنتاج. وتؤكد وجدي أن “العامل الثاني هو المعروض. تحالف أوبك+ مستمر في إعادة جزء من الإمدادات إلى السوق، فإذا تراجعت المخاطر وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها، فمن المرجح أن يعود جزء من هذه الإمدادات للضغط على الأسعار”.
أما العامل الثالث، وفقًا لوجدي، فهو “الطلب العالمي، الذي لا يزال ضعيفًا إلى حد ما، وهو حسّاس لارتفاع الأسعار. فكلما ارتفعت تكلفة الطاقة، ازداد الضغط على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي، وهذا قد يحد تلقائيًا من استمرار الصعود”. وتدعم هذه الرؤية تقديرات وكالة الطاقة الدولية وأوبك التي خفضت توقعاتها للطلب العالمي على النفط لعام 2026، مستندة إلى استمرار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتباطؤ متوقع في واردات الصين والهند.
توقعات الخبراء: اتجاه عام أم تحرك مؤقت؟
يقول سول كافونيك، رئيس قسم الأبحاث لدى شركة إم إس تي ماركيه، إن “أسعار النفط سوف تواصل ارتفاعها التدريجي ما استمر تصاعد موجة الهجمات الحالية”. ويضيف أن الصعود قد يتفاقم “حال استمرار تعطل حركة النقل عبر مضيق هرمز، وعدم تجاوز نسبة المرور 30 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب”. ويؤيده آندي ليبو، رئيس شركة ليبو أويل الأمريكية، الذي يرى أنه “إذا أُغلق المضيق لفترة طويلة، فقد يؤدي ذلك إلى هبوط المخزونات التجارية إلى الحد الأدنى اللازم لاستمرار التشغيل، وهو ما يرشح أسعار النفط العالمية للمزيد من الارتفاع”.
وفي ختام حديثها عن العوامل التي قد تحد من ارتفاع النفط، شددت رانيا وجدي على أهمية بيانات المخزونات الأمريكية، موضحةً أن “استمرار ارتفاع المخزونات يشير إلى أن السوق لا تعاني نقصًا حقيقيًا في المعروض، بينما قد يدعم السحب المتواصل من المخزونات إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة”.
وأكدت وجدي لبي بي سي أنه “من المبكر اعتبار الارتفاع الحالي بداية لاتجاه عام صاعد طويل الأجل في سوق النفط”، مرجحةً أنه “ارتفاع مدفوع بالأحداث الجيوسياسية وعلاوة المخاطرة أكثر من كونه تغيرًا هيكليًا في حركة السعر”. وأضافت: “هذه العلاوة قد تستمر ما دام التصعيد العسكري قائمًا، لكنها تظل شديدة الحساسية لعناوين الأخبار، ويمكن أن تتراجع بسرعة إذا هدأت الأوضاع”.
ورجّحت أن تحركات النفط على المدى المتوسط تظل مرهونة بثلاثة ملفات رئيسية: السياسة الإنتاجية لأوبك+، وتطورات المخزونات الأمريكية، وقوة الطلب العالمي، خاصةً الطلب من قِبل الاقتصادات الكبرى.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق