لم يكن مشروع مدينة تامسنا مجرد مبادرة عمرانية تهدف إلى تشييد أحياء سكنية جديدة، بل قُدم منذ إطلاقه كمدينة متكاملة تسعى لاستيعاب التوسع العمراني للعاصمة وتوفير بيئة حضرية شاملة تخفف الضغط عن الرباط وتمارة. وقد ارتكزت هذه الرؤية على إحداث مجموعة واسعة من المرافق والخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والصحة والنقل والتجهيزات العمومية.
فجوة بين الطموح والواقع: تحديات التنمية في تامسنا
مع مرور السنوات على إطلاق هذا الورش الطموح، برزت فجوة واضحة، حسب عدد كبير من السكان، بين الأهداف المعلنة والواقع المعاش في المدينة والجماعات المجاورة. فقد تجاوز النمو الديموغرافي المتسارع بكثير وتيرة إنجاز البنيات التحتية والخدمات العمومية الضرورية، مما أثار تساؤلات حول مدى فعالية التخطيط والتنفيذ.
الملحقة الجامعية بتامسنا: مشروع متعثر يثير الجدل
من بين الملفات التي عادت لتتصدر الواجهة بقوة، ملف الملحقة الجامعية التابعة لجامعة محمد الخامس بتامسنا. هذا المشروع، الذي أعلن عنه قبل سنوات كخطوة استراتيجية لتقريب خدمات التعليم العالي من آلاف الطلبة القادمين من تامسنا وسيدي يحيى زعير وعين العودة وعين عتيق ومرس الخير والصخيرات وغيرها من جماعات عمالة الصخيرات-تمارة، توقفت أشغال إنجازه منذ فترة طويلة دون تقديم أي توضيحات رسمية للرأي العام. هذا التوقف المفاجئ فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التعثر، خاصة في ظل الضغط المتزايد الذي تشهده المؤسسات الجامعية في الرباط والمدن المجاورة.
تساؤلات برلمانية وشعبية حول مصير المشروع
في سياق متابعة هذا الملف، وجهت النائبة البرلمانية نادية التهامي، بتاريخ 11 فبراير، سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. طالبت التهامي بالكشف عن أسباب توقف المشروع والإجراءات المزمع اتخاذها لاستئناف الأشغال، بالإضافة إلى تحديد الأجل الزمني المتوقع لاستكماله ودخوله حيز الخدمة. وأكدت البرلمانية على الدور المحوري الذي كانت ستلعبه الملحقة الجامعية في توسيع العرض التعليمي وتخفيف الضغط عن الجامعات القائمة، فضلاً عن تقريب التعليم العالي من آلاف الطلبة في الإقليم.
غير أن مرور أشهر على توجيه السؤال البرلماني دون صدور جواب رسمي، زاد من حدة الاستياء لدى الطلبة والساكنة عموماً، الذين يرون في هذا التأخير مساساً مباشراً بحق آلاف الشباب في الولوج إلى تعليم عالٍ قريب وفي ظروف لائقة.
ترافع سياسي ومطالبات بتكافؤ الفرص
لم يقتصر الترافع حول هذا الملف على المبادرة البرلمانية، بل عاد ليبرز مجدداً بعدما جدد الكاتب الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية بعمالة الصخيرات-تمارة، الدكتور العربي الحماري، إثارة الموضوع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأكد الحماري أن السؤال البرلماني جاء بمبادرة من الكتابة الإقليمية للحزب وبتنسيق مع فريقه النيابي، في إطار الدفاع عن حق ساكنة الإقليم في بنية جامعية تستجيب للتحولات الديموغرافية التي تعرفها المنطقة. وشدد على أن إخراج المشروع إلى حيز الوجود لم يعد رفاهية تنموية، بل أصبح ضرورة ملحة لتحقيق تكافؤ الفرص، خاصة مع اقتراب كل دخول جامعي جديد، واستمرار معاناة الطلبة مع التنقل اليومي نحو الرباط.
معاناة الطلبة اليومية: رحلة شاقة نحو المعرفة
في المقابل، يعبر عدد كبير من طلبة الإقليم عن تذمرهم المتواصل من الواقع الذي يعيشونه، مؤكدين أن رحلة الدراسة أصبحت بالنسبة للكثير منهم رحلة يومية شاقة تستنزف الوقت والجهد والمال. فالوصول إلى الكليات والمعاهد بالرباط يتطلب ساعات طويلة من التنقل، وسط اكتظاظ وسائل النقل العمومي وتأخرها في كثير من الأحيان، فضلاً عن الارتفاع المتواصل لتكاليف التنقل التي تثقل كاهل الأسر، خصوصاً تلك التي يتابع أكثر من أحد أبنائها دراسته الجامعية.
ويؤكد هؤلاء الطلبة أن افتتاح الملحقة الجامعية بتامسنا لن يكون مجرد إضافة عمرانية جديدة، بل سيخفف بشكل كبير من معاناتهم اليومية، وسيقلص مصاريف النقل، ويرفع من فرص الاستقرار الدراسي، ويمنح آلاف الشباب إمكانية متابعة تعليمهم في ظروف أفضل، بدل استنزاف جزء مهم من يومهم بين محطات الحافلات والقطارات والطرق الرابطة بين الإقليم والعاصمة.
تحديات التنمية الشاملة: سؤال البنيات التحتية
يرى متتبعون أن هذه القضية لم تعد ترتبط فقط بمشروع جامعي متوقف، بل أصبحت تطرح إشكالية أوسع تتعلق بمدى مواكبة البنيات العمومية للنمو السكاني المتسارع الذي تعرفه المدينة والجماعات المحيطة بها. فما تزال قطاعات حيوية كالنقل والصحة والتعليم والشغل تواجه تحديات كبيرة رغم التوسع العمراني المتواصل، مما يستدعي إعادة تقييم شامل لسياسات التنمية المحلية.
دعوة إلى الشفافية والمساءلة
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم: لماذا توقف مشروع الملحقة الجامعية بتامسنا؟ وهل يتعلق الأمر بإكراهات تقنية، أو مالية، أو عقارية، أو إدارية؟ ولماذا لم يصدر إلى حدود الآن أي توضيح رسمي يضع حداً لحالة الغموض التي تحيط بهذا الورش الحيوي؟ أسئلة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية، في وقت يزداد فيه اقتناع ساكنة عمالة الصخيرات-تمارة بأن نجاح مشروع المدينة الجديدة لا يقاس فقط بعدد الوحدات السكنية التي شُيدت، وإنما بمدى توفير المرافق العمومية القادرة على ضمان عيش كريم، وفي مقدمتها جامعة قريبة تضع حداً لمعاناة آلاف الطلبة الذين ما زالوا يدفعون، كل يوم، ثمن مشروع لم يكتمل بعد.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق