يستعد الإيرانيون خلال الأيام المقبلة لمراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي الحسيني خامنئي، الذي وافته المنية في 28 فبراير/شباط الماضي، إثر هجمات أمريكية وإسرائيلية استهدفت إيران. هذا الحدث يعيد إلى الأذهان مشهدًا تاريخيًا مماثلاً شهدته البلاد قبل عقود، وهو تشييع مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام روح الله الخميني، عام 1989.
وداع تاريخي لمؤسس الجمهورية الإسلامية
في مطلع يونيو/حزيران 1989، ودّعت إيران الإمام روح الله الخميني، أول مرشد أعلى للجمهورية الإسلامية، الذي توفي في طهران بعد تدهور حالته الصحية. وبعد وفاته، اجتمع مجلس خبراء القيادة ليختار خليفته، حيث وقع الاختيار على علي خامنئي ليتولى منصب المرشد الأعلى.
تُعد جنازة الإمام الخميني واحدة من أضخم الجنازات في التاريخ الحديث وأكثرها اضطرابًا. وقد سجلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية هذه الجنازة كأكبر تشييع من حيث نسبة المشاركين إلى عدد السكان، حيث قُدر عدد المشيعين بنحو 10.2 ملايين شخص في العاصمة طهران.
على الرغم من أن الشعب الإيراني كان يتابع تدهور صحة الخميني، إلا أن إعلان وفاته شكل صدمة واسعة النطاق بين أنصاره، خاصة بعد مرور نحو عقد واحد فقط على الإطاحة بحكم الشاه وتأسيس الجمهورية الإسلامية.
لحظات أخيرة ومراسم مهيبة
تُظهر الحلقة الأخيرة من الوثائقي “روح الله”، الذي يتناول سيرة الإمام الخميني، لقطات مصورة من داخل غرفته في المستشفى خلال أيامه الأخيرة. يظهر الخميني راقدًا على سريره، محاطًا بأطبائه وأفراد عائلته، في حالة وهن واضحة، حيث كان يتحرك بصعوبة ويكاد لا يتكلم. كما تعرض الحلقة مشاهد له وهو يؤدي الصلاة بمساعدة عدد من الرجال، وأخرى أثناء محاولة إطعامه، قبل أن تنتقل إلى لحظات حرجة حاول فيها الأطباء والمرافقون إنعاشه. تنتهي المشاهد بلقطات مؤثرة لأشخاص من محيطه وهم يبكون بعد إعلان وفاته.
تدفق الحشود والفوضى العارمة
توفي الإمام روح الله الخميني مساء الثالث من يونيو/حزيران 1989، وأعلن التلفزيون الإيراني الرسمي وفاته صباح اليوم التالي. أعلنت السلطات حينها حدادًا رسميًا لمدة 40 يومًا، وبدأ مؤيدوه بالتوافد إلى الشوارع في مظاهر حزن علنية عمت البلاد. ومع انتشار الخبر، توجهت حشود غفيرة من مختلف مناطق إيران إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع.
في الخامس من يونيو/حزيران، نُقل جثمان الخميني إلى مصلى طهران، حيث عُرض ملفوفًا بكفن أبيض داخل حافظة زجاجية مبرّدة، وُضعت فوق منصة مرتفعة، لإتاحة الفرصة للملايين لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة. أظهرت لقطات جوية حشودًا ضخمة في محيط المصلى، وسط مشاهد بكاء ولطم، وحالات تدافع وإغماء بفعل كثافة الحضور وارتفاع درجات الحرارة.
تحديات الدفن وإجراءات أمنية مشددة
بقي الجثمان معروضًا حتى اليوم التالي، قبل أن تقرر السلطات نقل مراسم الدفن إلى مقبرة بهشت زهرا، الواقعة جنوب طهران. هنا، خرجت الحشود عن السيطرة أكثر من مرة. كان من المقرر أن يقطع موكب التشييع مسارًا طويلاً من وسط طهران إلى المقبرة، قُدر بنحو 32 كيلومترًا، وسط حشود ضخمة اصطفت على جانبي الطريق. لكن عربة نقل الجثمان تقدمت ببطء شديد وسط الجموع، مما جعل استكمال المسار المخطط له أمرًا مستحيلاً.
تدخلت قوات الأمن والحرس الثوري مرارًا لمحاولة فتح الطريق وإبعاد العربة عن الحشود المتدفقة. ومع تجمع حشود أكبر في محيط مقبرة بهشت زهرا، ازدادت صعوبة إتمام الدفن. وبعد تعذر وصول موكب التشييع براً، قررت السلطات نقل الجثمان بمروحية إلى موقع الدفن.
لكن السيطرة على الحشود تعذّرت هناك أيضًا. فمع هبوط المروحية، اندفع عدد كبير من المشيعين نحو النعش، في محاولة للمس الكفن والحصول على أجزاء منه، في مظهر من مظاهر التبرك لدى بعض المؤمنين. أظهرت لقطات مصورة أن جزءًا من الكفن انزاح وسط التدافع، قبل أن تتمكن قوات الأمن والحرس الثوري من استعادة الجثمان ونقله لإعادة تكفينه. أعلنت الإذاعة الإيرانية بعد ذلك تأجيل مراسم الدفن، في محاولة لإبعاد الحشود عن الموقع. وبعد ساعات، أُعيد الجثمان إلى المقبرة وسط إجراءات أمنية مشددة، ووُضع هذه المرة داخل صندوق معدني محكم الإغلاق قبل إتمام الدفن.
أسفرت هذه التدافعات وضغط الحشود عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة نحو 500 آخرين، بحسب موقع غينيس للأرقام القياسية.
إرث الخميني وتشييع خامنئي القادم
يكتسب استحضار جنازة الإمام الخميني أهمية خاصة اليوم، مع استعداد إيران لتشييع علي الحسيني خامنئي، ثاني مرشد أعلى للجمهورية الإسلامية. كان الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية وأول مرشد أعلى لها، شخصية دينية وسياسية حاسمة في تاريخ إيران الحديث، حيث قاد الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979 وأرسى نظام ولاية الفقيه. وقد خلفه خامنئي في المنصب عام 1989، ليصبح أطول قادة الجمهورية الإسلامية بقاءً في الحكم، وصاحب دور محوري في رسم سياسات الدولة داخليًا وخارجيًا. وبينما يراهما أنصارهما رمزَين للاستقلال ومقاومة النفوذ الغربي، ينتقد معارضوهما ما يعتبرونه تركيزًا للسلطة وقمعًا للحريات السياسية والاجتماعية في عهديهما.
من المتوقع أن تنظم السلطات الإيرانية جنازة واسعة لخامنئي، وسط إجراءات أمنية مشددة. وتضيف طريقة مقتله بعدًا رمزيًا إلى مراسم التشييع في الخطاب الرسمي الإيراني، إذ تستخدم السلطات ومؤيدوه وصف “الشهيد”، وهي صفة ذات حضور بارز في الأدبيات السياسية والدينية للجمهورية الإسلامية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق