خريطة المغرب تظهر الأقاليم الجنوبية، ترمز إلى الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية.
السياسة

الصحراء المغربية: من مسار تصفية الاستعمار إلى أفق الحكم الذاتي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، شكلت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة محفلاً دبلوماسياً محورياً للمملكة المغربية في سعيها لاستكمال وحدتها الترابية واسترجاع أقاليمها الجنوبية التي كانت خاضعة آنذاك للاستعمار الإسباني. استندت المملكة في تحركاتها إلى القرار الأممي التاريخي رقم 1514 الصادر عام 1960، والذي نص على منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

مسار دبلوماسي حافل: من اللجنة الرابعة إلى أول قرار أممي

لقد نجحت الدبلوماسية المغربية في إدراج قضية الصحراء المغربية وسيدي إفني لأول مرة ضمن أجندة اللجنة الرابعة سنة 1961. وبحلول عام 1963، تمكن المغرب من تصنيف الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، مما مهد الطريق لاستصدار أول قرار أممي سنة 1965 يدعو صراحة إلى إنهاء الاستعمار الإسباني في الصحراء المغربية.

ولتعزيز هذا الترافع الدولي، حرصت المملكة على إشراك نخبة من الشخصيات الوطنية البارزة في وفودها الرسمية لدى الأمم المتحدة. كان الهدف من ذلك إثبات مغربية الصحراء من خلال شواهد تاريخية وشعبية وسياسية راسخة. وقد ضم الوفد المغربي آنذاك دبلوماسيين مخضرمين مثل أحمد الطيب بنهيمة، المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، وأحمد السنوسي، أحد أبرز الدبلوماسيين المغاربة. كما شاركت شخصيات صحراوية وازنة، على غرار الحاج إبراهيم الدويهي، رئيس جماعة طانطان وأحد أوائل البرلمانيين عن المنطقة، وخطري ولد سعيد الجماني، أحد كبار أعيان وشيوخ القبائل الصحراوية، وولد بريكة الزروالي، الذي واكب بدوره معركة استكمال الوحدة الترابية داخل المؤسسات الوطنية والأممية. قدم هؤلاء الأعيان والمنتخبون عرائض وشهادات موثقة تؤكد روابط البيعة التاريخية التي جمعت القبائل الصحراوية بسلاطين المغرب عبر القرون.

تحول النزاع: من قضية استعمار إلى نزاع إقليمي

خلال سبعينيات القرن الماضي، وفي خضم ظروف إقليمية ودولية معقدة اتسمت بالحرب الباردة وصراعات النفوذ، ظهرت جبهة الجبهة الانفصالية سنة 1973. تأسست هذه الجبهة على يد مجموعة من الشباب المغاربة المنحدرين أساساً من طانطان ومناطق صحراوية أخرى، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مشروع انفصالي تبنته الجزائر سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً. ومنذ ذلك الحين، تحول النزاع من كونه قضية استكمال للوحدة الترابية للمملكة المغربية إلى نزاع إقليمي معقد تغذيه حسابات جيوسياسية بعيدة عن المصالح الحقيقية لسكان المنطقة.

مع مرور السنوات، أدرك المجتمع الدولي أن قضية الصحراء لم تعد تندرج ضمن المفهوم التقليدي لتصفية الاستعمار الذي عالجته اللجنة الرابعة منذ ستينيات القرن الماضي. بل أصبحت تُصنف كنزاع سياسي إقليمي يخضع حصرياً لمسار الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ونتيجة لذلك، انتقلت القرارات الأممية تدريجياً من التركيز على الاستفتاء إلى البحث عن حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق بين الأطراف المعنية.

مبادرة الحكم الذاتي: حل واقعي يحظى بدعم دولي

في هذا السياق، قدمت المملكة المغربية سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي، التي شكلت تحولاً نوعياً في مسار التسوية. وقد وصفت العديد من الدول هذه المبادرة بأنها جادة وذات مصداقية، وقادرة على تحقيق التوازن بين احترام الخصوصيات المحلية والحفاظ على سيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية. وقد تعزز هذا التوجه بشكل لافت من خلال افتتاح عشرات الدول لقنصليات دبلوماسية في مدينتي العيون والداخلة بالأقاليم الجنوبية، وهو ما يعكس تنامي الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء ودعم الحل السياسي الذي تقترحه المملكة المغربية.

الدينامية الحالية: تجاوز المقاربات القديمة

خلال أشغال الدورة الموضوعاتية الأخيرة للجنة الـ24 بنيويورك، حاول السفير الجزائري عمار بن جامع إعادة طرح المقاربة التقليدية التي تعتبر الملف قضية تصفية استعمار. غير أن التطورات السياسية والدبلوماسية التي شهدها النزاع خلال العقود الأخيرة جعلت هذا الطرح يبدو منفصلاً عن الواقع الدولي الراهن. فبينما يتجه المجتمع الدولي نحو دعم الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق، لا تزال الجزائر متمسكة بأطروحات تجاوزتها الدينامية الجديدة التي يعرفها الملف داخل أروقة الأمم المتحدة.

لقد أظهرت النقاشات الأخيرة داخل اللجنة بوضوح أن المملكة المغربية أصبحت تمتلك رصيداً دبلوماسياً وسياسياً متنامياً، مدعوماً بالشرعية التاريخية والقانونية، وبالإنجازات التنموية الملموسة التي تحققت في الأقاليم الجنوبية. كما أكدت هذه الدينامية أن مستقبل هذا النزاع يتجه نحو تكريس الحل السياسي الواقعي المتمثل في مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة المغربية، بما ينسجم تماماً مع قرارات مجلس الأمن.

آفاق المستقبل: استقرار وتنمية في المنطقة المغاربية

من المنتظر أن تساهم هذه الدينامية في تجاوز المقاربات القديمة المرتبطة بتصفية الاستعمار، والانخراط الجدي في إيجاد حل نهائي وعادل ومتوازن. هذا الحل من شأنه أن يحفظ كرامة وحقوق سكان مخيمات تندوف، وخاصة اللاجئات والشيوخ والأطفال، ويفتح صفحة جديدة من الاستقرار والتنمية والتعاون البناء في المنطقة المغاربية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *