مقدمة: توتر إقليمي متصاعد وتدخل رئاسي حاسم
شهدت المنطقة مؤخرًا تطورات متسارعة كادت أن تعصف بالمحادثات النووية مع إيران، حيث أدت الهجمات الإسرائيلية على لبنان إلى تعليق طهران لهذه المفاوضات. في لحظة حاسمة، تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا لوقف تحرك القوات الإسرائيلية نحو بيروت، في محاولة لإنقاذ مذكرة التفاهم ذات النقاط الأربع عشرة الرامية إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. ورغم هذا التوقف المؤقت والمشروط، لا تزال إسرائيل تنتظر الموافقة النهائية من واشنطن قبل استئناف أي عمليات عسكرية في العاصمة اللبنانية.
تزامنت هذه التطورات مع تهديد ترامب بـ”تفجير” سلطنة عمان، الشريك الأمريكي التاريخي والوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران. وفي لبنان، فرضت واشنطن عقوبات على مقربين من رئيس مجلس النواب نبيه بري دون استهدافه مباشرة، بينما عادت خدمة الإنترنت إلى إيران بعد انقطاع دام 90 يومًا، لتصبح مصدر دخل جديدًا للحرس الثوري. وفي تطور آخر، أغلقت مصر بهدوء موقعها العسكري قرب الحدود الإثيوبية، في خطوة قد تؤثر على موقفها في صراع مياه النيل.
واشنطن تتدخل: وقف الهجوم الإسرائيلي على بيروت
تدخل ترامب يوقف التصعيد
في خطوة مفاجئة، أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجوم الإسرائيلي الذي كان يستهدف بيروت، معلنًا عبر منصة “تروث سوشال” أن القوات الإسرائيلية لن تدخل العاصمة اللبنانية، وأن حزب الله وافق على وقف كامل لإطلاق النار. جاء هذا التدخل بعد أن علّقت إيران محادثاتها النووية مع الولايات المتحدة صباح الاثنين، ردًا على الهجوم الإسرائيلي على لبنان، مما وضع مذكرة التفاهم المكونة من أربع عشرة نقطة، والتي تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، على المحك.
تأكيدات لبنانية وشروط الهدنة
أكدت الرئاسة اللبنانية تسلسل الأحداث، مشيرة إلى أن الرئيس جوزاف عون تلقى تأكيدًا من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بموافقة حزب الله على المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار. تبع ذلك اتصال من ترامب بالسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى معوّض، أبلغها فيه حصوله على موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد نقلت معوّض هذه المستجدات إلى الرئيس عون، الذي أبلغ بدوره حزب الله.
يقضي الترتيب المقترح بوقف إسرائيل لغاراتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل توقف حزب الله عن مهاجمة إسرائيل، على أن يعمل الطرفان لاحقًا نحو وقف شامل لإطلاق النار في جميع الأراضي اللبنانية. ورغم إرسال رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري رسالة عبر مستشاره علي حمدان إلى السفير الأمريكي في بيروت، ميشال عيسى، يؤكد فيها “جاهزية حزب الله الكاملة للالتزام بوقف شامل لإطلاق النار”، إلا أن بري رفض الصيغة الجزئية التي طرحتها واشنطن، مطالبًا بوقف إطلاق نار يشمل كامل الأراضي اللبنانية.
شكوك إسرائيلية وأمريكية ومستقبل غامض
أعرب مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون لموقع “أكسيوس” عن شكوكهم في موافقة نتنياهو، متسائلين عن قدرة بري على ضمان التزام حزب الله. وفي تصريح لـ MBN، أكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية أن “الرئيس كان واضحًا اليوم مع رئيس الوزراء نتنياهو بأن التصعيد في بيروت لن يخدم هذا الهدف. ولهذا السبب تدخّل الرئيس مباشرة.” ومع ذلك، يبقى التوقف مؤقتًا ومشروطًا، حيث أفاد مسؤولان إسرائيليان لوكالة “رويترز” أن إسرائيل “ستنتظر الموافقة النهائية من ترامب” قبل استئناف أي عملية في بيروت.
في سياق متصل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن نية إقامة منطقة أمنية دائمة جنوب نهر الليطاني، على غرار النموذج المتبع في غزة من خلال الهدم والتهجير. وكانت القوات الإسرائيلية قد عبرت نهر الليطاني في 30 مايو وسيطرت على قلعة الشقيف، وهي قلعة كانت تحت سيطرة إسرائيل خلال احتلالها السابق لجنوب لبنان. وفي ظل هذه التطورات، من المقرر أن تنطلق اليوم جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل تستمر ليومين، لكن السؤال يبقى معلقًا: هل سيصمد وقف إطلاق النار بما يكفي للوصول إلى طاولة المفاوضات؟
الضغوط الأمريكية على نبيه بري: استراتيجية الفصل
عقوبات تستهدف المقربين
لم تفرض واشنطن بعد عقوبات مباشرة على نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل، الحزب الشيعي الذي هيمن على السياسة اللبنانية إلى جانب حزب الله لعقود. لكنها اتخذت خطوات تصعيدية باستهداف اثنين من أقرب مساعديه الأسبوع الماضي. فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أحمد بعلبكي، الذي يصفه مراقبون سياسيون لبنانيون بأنه الذراع اليمنى لبري، وعلي أحمد صفواني، المسؤول العسكري في حركة أمل والمتهم بتنسيق مشاركة مقاتلين إلى جانب حزب الله في الهجمات ضد إسرائيل.
فصل بري عن حزب الله: رهان واشنطن
صرحت حنين غدار، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لـ MBN بأن هذه الاستراتيجية تهدف إلى فصل بري عن حزب الله دون إخراجه من المشهد السياسي اللبناني. وأضافت: “إذا غيّر الضغط على حلفائه سلوكه، تتوقف الحملة عند هذا الحد. وإذا لم يحدث ذلك، فقد تستهدف العقوبات مستقبلًا أفرادًا من عائلته أو أصوله المالية في الخارج.”
لكن هذه المعضلة تحمل أبعادًا بنيوية، حيث تهيمن حركة أمل وحزب الله معًا على التمثيل السياسي الشيعي في لبنان. وحذر الناشط السياسي اللبناني علي مراد، الذي خاض الانتخابات الأخيرة ضد الحزبين، في حديث لـ MBN من أن فرض عقوبات مباشرة على بري قد يدفع الشارع الشيعي إلى الالتفاف حوله، وقد يفتح الباب أمام مواجهة بين أمل وحزب الله، على غرار اشتباكاتهما العنيفة في أواخر الثمانينيات. تراهن واشنطن على أن الدمار الذي خلفته الحرب في المناطق الشيعية قد أضعف حزب الله بما يكفي لخلق مساحة لبديل سياسي جديد، لكن هذا الرهان لم يُختبر بعد.
سلطنة عمان في عين العاصفة: تحذير أمريكي غير مسبوق
تهديد ترامب يثير القلق
في تطور لافت، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”نسف” سلطنة عمان، الدولة التي تُعد شريكًا للولايات المتحدة منذ ما يقارب 200 عام. كشف هذا التهديد عن توتر عميق يمس جوهر استراتيجية واشنطن المتعلقة بمضيق هرمز، حيث باتت الدولة الأكثر فائدة كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران تُنظر إليها بعين الشك والريبة.
جاء هذا التصريح بعد أن تحدثت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن مسودة تفاهم تمنح طهران ومسقط إدارة مشتركة لمضيق هرمز، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع الموقف الأمريكي الذي يؤكد على ضرورة بقاء الملاحة عبر المضيق حرة من أي قيود تفرضها الدول. ووصفت إدارة ترامب الخطة بأنها “مفبركة بالكامل”.
مواقف متضاربة ودور الوسيط
هدد وزير الخزانة سكوت بيسنت سلطنة عمان بإجراءات عقابية إذا دعمت أي نظام لرسوم العبور، قبل أن يعلن تلقيه تأكيدات عمانية بعدم وجود مثل هذه الخطة. وبعد ساعات، جاء تعليق ترامب على الأمر ذاته، مما زاد من حدة التوتر. لم يكن دور عمان في هذا النزاع عدائيًا؛ فقد كان وزير خارجيتها يلتقي مسؤولين أمريكيين قبل يوم واحد فقط من اندلاع الحرب، متحدثًا عن تقدم غير مسبوق في المفاوضات.
وفي تحليل للوضع، قال جورجيو كافيرو، الرئيس التنفيذي لشركة “غلف ستايت أناليتيكس” للاستشارات الجيوسياسية، لـ MBN إن الإدارة الأمريكية “قد لا تكون مستعدة بعد الآن لتحمل سياسة الحياد النسبي التي تنتهجها عمان منذ فترة طويلة”. كما أشارت كريستين سميث ديوان، الباحثة البارزة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، لـ MBN إلى أن هذا النمط من السلوك يثير القلق، مضيفة: “تميزت عمان بمواقفها العلنية الداعية إلى تسوية مع إيران، وهذا يجعلها هدفًا مهمًا لأولئك الذين يدفعون نحو التصعيد العسكري.” يبدو أن ترامب لا يسعى لإنهاء دور عمان كوسيط، بل لتحديد شروط هذا الدور.
إيران والإنترنت: عودة مشروطة ومكاسب للحرس الثوري
الإنترنت يعود بشروط
بعد نحو 90 يومًا من الانقطاع والقيود، عادت خدمة الإنترنت إلى إيران، لكنها عادت ومعها نفوذ الحرس الثوري. كشف استئناف الاتصال بالإنترنت عن تناقض بنيوي: فالحرس الثوري الذي قيّد الوصول إلى الإنترنت خلال الحرب، أصبح الآن من بين الجهات التي تستفيد من بيع أدوات تجاوز هذه القيود للإيرانيين. ويهدد مسؤولوه الآن بتوسيع المنطق نفسه ليشمل الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز.
تكاليف باهظة وقمع رقمي
أفاد جعفر بختياري، الذي يدير ورشة صغيرة للمنتجات الجلدية في طهران، لـ MBN بأن تكاليف الإنترنت الشهرية لديه بلغت نحو 30 مليون تومان، أي ما يعادل تقريبًا 170 دولارًا أمريكيًا. في المقابل، تحصل المجموعات المرتبطة سياسيًا بالنظام على اتصال بالإنترنت بلا قيود. وقالت جيلا مستاجر، من منظمة “هنغاو” الحقوقية، لـ MBN إن جميع قنوات الاتصال بالإنترنت تمر في النهاية عبر شبكات مرتبطة بالحرس الثوري. وأضافت: “يعاني الناس من القمع الرقمي، ثم يسمح لهم النظام نفسه تدريجيًا بالهروب من هذا القمع مقابل مبالغ طائلة.”
أشار مسؤول إيراني بارز في مجال الفضاء السيبراني إلى أن البلاد تتجه نحو النموذج الصيني، عبر تقييد الوصول العالمي لمعظم المواطنين، مع توسيع شبكة محلية أكثر انفتاحًا للمستخدمين المميزين. ورغم أن فكرة فرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز لم تُطبق بعد، إلا أن خبراء قالوا لـ MBN إن مجرد التهديد يدفع حكومات الخليج إلى التعامل مع أمن الإنترنت باعتباره جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي.
مصر وصراع النيل: تراجع تكتيكي
في تطور إقليمي آخر، أغلقت مصر بهدوء موقعها العسكري القريب من الحدود الإثيوبية، في خطوة تعني فقدان موقع متقدم في صراعها المستمر حول مياه النيل. هذا التراجع التكتيكي قد يعيد تشكيل ديناميكيات المفاوضات المستقبلية بشأن حصص المياه في المنطقة.
خاتمة: مستقبل غامض للمنطقة
تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو مرحلة تتسم بالتعقيد والترقب، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية في نسيج معقد من التحديات والفرص. يبقى السؤال الأبرز حول مدى استدامة الهدوء الهش، وقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات نحو حلول دائمة تضمن الاستقرار الإقليمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق