في ظل التصعيد المستمر في جنوب لبنان، يواجه الأهالي واقعًا مؤلمًا ومربكًا، حيث تتحول منازلهم التي بنوها بعرق الجبين إلى مجرد بقع من الرماد. كيف يمكن مواساة صديق يرسل صورة فضائية لمنزله الذي أمضى سنوات في تشييده، ليجده قد مُحي تمامًا من الخريطة؟ هذه ليست مجرد خسارة مادية، بل هي محو لتاريخ وذكريات وأحلام. البيوت تُدمر بالقصف العنيف أو الهدم الممنهج، ويجد أصحابها أنفسهم عاجزين، عالقين بين مطرقة الجيش الإسرائيلي وسندان “حزب الله“.
مراقبة المنازل عبر الأقمار الصناعية: نافذة على الدمار
بات الحصول على صور الأقمار الصناعية لبلداتهم ضرورة ملحة لكثير من اللبنانيين في الجنوب، يدفعون مقابلها مبالغ تصل إلى حوالي خمسين دولارًا كل بضعة أيام، فقط للاطمئنان على منازلهم. هذه الصور، التي تُحمّل من مواقع تعتمد على أقمار صناعية أوروبية توفر بثًا مباشرًا للمنطقة، تكشف حقيقة مغايرة تمامًا لما هو متاح على منصات مثل “غوغل إرث”، حيث لا تزال الصور قديمة وتعود لشهور مضت، مما يظهر قرى بأكملها مدمرة وكأنها لم تمسسها يد الحرب. يتمنى الكثيرون لو أن الزمن توقف قبل أن يحل الدمار.
أحلام العمر تتحول إلى رماد
تجسد قصة صديق الكاتب، الذي دُمر منزله بغارة إسرائيلية قبل أن يتمكن من السكن فيه، مأساة العديد من اللبنانيين. هذا الصديق، الذي أمضى سنوات طويلة في بناء منزله حجرًا على حجر، كان يصف بيته كطفل ينمو أمامه، من قطعة أرض إلى أساسات ثم أعمدة وجدران، حتى كاد يكتمل. هذه التجربة المشتركة في بناء المنازل بالتقسيط، لعدم امتلاك السيولة الكافية، كانت تمثل استثمارًا لأحلامهم ومدخراتهم. وبعد أن شعروا بالحظ لنجاتهم من الأزمة المصرفية التي ابتلعت أموال المودعين في لبنان، وجدوا أن الحرب قد التهمت ما جنوه طوال حياتهم.
بيوت لم يكتب لها السكن
على النقيض من الكاتب الذي حالفه الحظ وسكن منزله لسنوات قليلة قبل هجرته إلى أمريكا بعد عقد من البناء، فإن صديقه لم يتمكن من ذلك. كان منزله، الواقع على كتف الوادي في بلدة زوطر المطلة على نهر الليطاني، ينتظر اللمسات الأخيرة، أو ما يعرف بـ”التشطيب”. كانت زياراتهم المشتركة للموقع تهدف إلى الاطمئنان على سير العمل، من أكياس الأسمنت وقضبان الحديد إلى التجهيزات الأخرى، قبل التوجه إلى بلدة شقرا الحدودية حيث منزل الكاتب شبه المكتمل.
صراع المسؤولية وغضب الأهالي
يجد الأهالي أنفسهم في حيرة من أمرهم، لا يدرون على من يلقون اللوم: على إسرائيل التي تدمر منازلهم، أم على “حزب الله” الذي يستخدم هذه البيوت في صراع غير متكافئ؟ وقد عكس تسجيل صوتي متداول عبر “واتساب” غضب أحد أبناء الجنوب، متسائلاً عن الشرعية الدينية أو القانونية لانتهاك حرمة المنازل واستخدامها كملاجئ، مما يعرضها للقصف الإسرائيلي.
ويشير المقال إلى أن الدمار في الجنوب، خاصة في “المنطقة الصفراء” العازلة، منهجي وشامل، لا يفرق بين المؤيد والمعارض. فمنزل الباحث والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون، المعروف بمواقفه المعارضة للحزب وللحرب، دُمر هو الآخر، وخسر مكتبته القيمة التي تضم آلاف الكتب والوثائق. خسارة لا تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها بالمال. صديق الكاتب، الذي يفضل الابتعاد عن السياسة، يحمل “حزب الله” جزءًا من المسؤولية، مشيرًا إلى استخدام البيوت لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
بناء البيوت في منطقة الصراع: رهان محفوف بالمخاطر
وصف خال الكاتب بناء البيوت في هذه المنطقة بأنه “قمار”، في إشارة إلى التكاليف المستمرة وعدم اليقين في منطقة تشهد صراعًا متجذرًا منذ عقود، يتداخل فيه الجغرافي بالديني بالأيديولوجي. هذا الواقع يدفع الكثيرين في الجنوب إلى دفع حوالي خمسين دولارًا أسبوعيًا للحصول على صور فضائية حديثة، في محاولة يائسة للتأكد من بقاء منازلهم. الكاتب نفسه يشارك هذا القلق، معترفًا بخوفه من فتح تلك الملفات الرقمية، خشية أن يجد مصير منزله ومنزل أهله كبقعة رماد، تمامًا كما حدث مع صديقه وآلاف آخرين. يبقى السؤال المؤلم معلقًا: كيف نواسي من فقدوا بيوتهم؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق