الرئيسان ترامب وشي جين بينغ يتصافحان خلال قمة في بكين
السياسة

قمة بكين: استقرار ظاهري وتداعيات عميقة على الشرق الأوسط

حصة
حصة
Pinterest Hidden

قمة “بلا مفاجآت” في بكين: تداعيات غير متوقعة على الشرق الأوسط

بقلم: مين ميتشل | 11 مايو 2026

يصل الرئيس دونالد ترامب إلى بكين مساء الأربعاء في أول زيارة دولة له خلال ولايته الثانية، حيث سيحظى باستقبال ملكي حافل. يتضمن البرنامج الرسمي مراسم استقبال صباح الخميس، وجولة في معبد السماء بعد الظهر، ومأدبة رسمية مسائية، بالإضافة إلى غداء عمل مع الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الجمعة. ورغم دقة تنظيم الزيارة، إلا أن جدول أعمالها يبدو متواضعًا، حيث صُممت القمة لتكون لقاءً مدروسًا بعناية بين أقوى زعيمين في العالم.

قمة الاستقرار: توقعات منخفضة وتطلعات خفية

تشير الإشارات الصادرة من واشنطن وبكين خلال الأسبوع الماضي إلى أن هذا الاجتماع يهدف إلى تحقيق الاستقرار في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وليس إحداث اختراقات جذرية. فقد صرحت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، للصحفيين يوم الأحد بأن الزيارة ستحمل “أهمية رمزية هائلة” وستركز على “إعادة توازن العلاقة”. كما أضاف مسؤول رفيع آخر في الإدارة أن “كلا الجانبين يريد الاستقرار”، وذلك ردًا على سؤال حول إمكانية تمديد الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها في قمة بوسان في أكتوبر الماضي.

تلك الهدنة، التي أُبرمت على هامش اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” في كوريا الجنوبية، نجحت في وقف أسوأ مراحل التصعيد الجمركي بين الاقتصادين، وشكلت أول لقاء مباشر بين ترامب وشي خلال الولاية الثانية لترامب. وعلى الرغم من تصريحات الرئيس ترامب التي وصف فيها اللقاء بأنه “قد يكون تاريخيًا”، يبدو أن مسؤولي إدارته يسعون لخفض سقف التوقعات. وقد أثارت هذه التصريحات بعض القلق من احتمال أن يقدم ترامب تنازلات بشأن قضايا حساسة مثل تايوان، الحليف الديمقراطي للولايات المتحدة والتي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها، مقابل الحصول على مساعدة في ملف إيران. ومع ذلك، فإن ضيق الوقت المتاح للقمة والإحاطات التي قدمها مسؤولو الإدارة تشير إلى أن أي تغييرات جوهرية في سياسات البلدين غير مرجحة.

من جانبها، كانت الرسالة القادمة من بكين متسقة لأسابيع، حيث أشار وزير الخارجية وانغ يي إلى إيجابية الرسائل المتبادلة مؤخرًا بين ترامب وشي، وابتعد الإعلام الرسمي الصيني عن نبرة المواجهة المعتادة. هذا لا يعني أن العلاقة خالية من التوترات، بل يعكس اختيار الزعيمين إدارة الاحتكاك بدلاً من تجاهله.

وفد الأعمال: مؤشر على الأولويات الاقتصادية

يعزز الوفد المرافق للرئيس ترامب، والذي يضم رؤساء كبرى الشركات الأمريكية مثل إنفيديا وآبل وكوالكوم وسيتي غروب وبوينغ، بالإضافة إلى كبار منتجي لحوم الأبقار وفول الصويا، هذا الانطباع. تكشف هذه القائمة عن الأولويات: الرقائق، والتمويل، والطيران، والزراعة. جميع هذه القطاعات تضررت من النزاع التجاري وستستفيد من تخفيف التوتر. فقد تراجعت مبيعات إنفيديا في الصين بسبب ضوابط التصدير الأمريكية، وتأمل بوينغ في استلام أول طلب صيني كبير منذ عام 2017، بينما تعد الصين أكبر سوق لآبل وكوالكوم. هذا الوفد لا يهدف إلى مواجهة بكين، بل إلى تعزيز التعاون التجاري معها.

دوافع الزعيمين: البحث عن الاستقرار

يرغب كلا الزعيمين في الحفاظ على استقرار العلاقة. يحتاج ترامب إلى مخرج من أزمة إيران وإنجاز سياسي خارجي إيجابي بعد ربيع صعب. أما شي جين بينغ، فيسعى لإبقاء واشنطن مستقرة بينما يمتص الاقتصاد الصيني صدمة حرب إقليمية أدت إلى خفض واردات الصين من النفط الخام من الخليج بنسبة 25 بالمئة على أساس سنوي في مارس. لا مصلحة لأي منهما في مواجهة علنية في الوقت الراهن.

رهانات الخليج: ما وراء العناوين الرئيسية

على الرغم من التركيز على الاستقرار، فإن هذه القمة ليست غير مهمة بالنسبة للشرق الأوسط، بل على العكس، توفر أساسًا واضحًا لما يجب مراقبته في الأشهر المقبلة.

النتائج المتوقعة على السطح

من المتوقع أن تشمل النتائج الظاهرة تمديدًا محتملاً لهدنة بوسان التجارية (مع سعي بكين لعام كامل وواشنطن لستة أشهر)، وآلية “مجلس تجارة” اقترحها البيت الأبيض لتحديد مجالات المصالح المشتركة مثل مشتريات الزراعة، وطلبًا طال انتظاره من بوينغ قد يشمل 500 طائرة 737 ماكس بالإضافة إلى طائرات عريضة البدن، وربما إعلانًا بشأن المعادن الأرضية النادرة. هذه النتائج، في حد ذاتها، لن تعيد تشكيل المنطقة.

القضايا المحورية ذات الأثر العميق على الشرق الأوسط

العمل الحقيقي، والذي سيحمل تداعيات أعمق على الشرق الأوسط، سيجري بعيدًا عن الأضواء. فمن المرجح أن تخرج الدولتان من القمة بفهم أفضل لمواقف كل منهما بشأن ثلاث قضايا رئيسية:

1. ملف إيران: تآكل إطار “الاستقرار”

منذ أبريل، يدفع ترامب باتجاه التزام صيني بعدم تسليح طهران إذا استؤنف القتال، ومساعدة صينية في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وقد كتب إلى الرئيس الصيني شي الشهر الماضي طالبًا الأمرين، وأعلن علنًا أنه تلقى ضمانات بشأن مسألة الأسلحة. كما اتهم وزير الخزانة سكوت بيسنت الصين الأسبوع الماضي بشراء 90 بالمئة من نفط إيران و”تمويل أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”. وقبل القمة بأيام، فرضت الإدارة عقوبات على ثلاث شركات أقمار صناعية صينية لتوفيرها صورًا مكّنت إيران من استهداف قوات ومواقع أمريكية. وأكد مسؤول رفيع في إحاطة قبل القمة أن ترامب سيقوم “بممارسة ضغط” على شي بشأن هذه القضايا خلال المحادثات. يبقى السؤال ما إذا كان هذا الضغط سيُنتج شيئًا ملموسًا. إعادة تأكيد علنية من شي على تعهد عدم التسليح ستمنح ترامب إنجازًا يعود به. أما إذا جاء البيان مليئًا بلغة “الحوار البناء”، فستكون بكين قد احتفظت بأوراقها دون تقديم تنازلات تُذكر.

تشكل زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين في 6 مايو مؤشرًا مهمًا. فقد ذهب عباس عراقجي لأن طهران استنفدت كل الأبواب التي يمكن أن تطرقها، فروسيا لا تتحرك، وباكستان بلغت سقفها الدبلوماسي، ولا دولة خليجية ستدافع عن إيران. استقبلت بكين اللقاء لأنه بلا كلفة، واستغل وانغ يي اللحظة للدعوة علنًا إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق. الصين لا تصطف لإنقاذ طهران، بل تحاول أن تكون مفيدة لواشنطن قبل القمة.

2. صراع التكنولوجيا: توازن دقيق للخليج

القضية الثانية هي صراع التكنولوجيا، وهي تتعلق بمنطقة الخليج مباشرة. تطلب بكين، بحسب التقارير، من ترامب الإعلان عن تخفيف ضوابط التصدير الأمريكية على معدات تصنيع الرقائق والخوادم المتقدمة، مع تعهد بعدم فرض قيود جديدة مستقبلًا. مراكز الذكاء الاصطناعي في الرياض وأبو ظبي تقع في قلب هذا التوازن، حيث أمضت الحكومتان ثلاث سنوات في بناء منظوماتهما التقنية على مزيج من المكونات الأمريكية والصينية. إذا استبدل ترامب تخفيف القيود التقنية بتعاون صيني في ملف إيران، سيحصل الخليج على هامش تنفس قصير المدى وغموض طويل المدى بشأن من يحدد قواعد قطاعه التكنولوجي.

3. تايوان: اختبار للالتزامات الأمنية الأمريكية

أما القضية الثالثة فهي تايوان، وهنا يمتلك شي أكبر فرصة للربح. أقرت الولايات المتحدة منذ زمن بتميّز تايوان عن جمهورية الصين الشعبية مع تجنب دعم صريح لاستقلالها — وهي صيغة غامضة متعمدة حافظت على السلام لعقود. هدف بكين في هذه القمة، بحسب دبلوماسيين وخبراء، هو دفع ترامب لتغيير هذه الصيغة من “لا ندعم استقلال تايوان” إلى “نعارض استقلال تايوان”. قد يبدو التغيير طفيفًا، لكنه ليس كذلك. والمخاوف في العواصم الآسيوية والأوروبية لا تتعلق فقط بطلب شي، بل بإمكانية أن يبادل ترامب هذا الموقف مقابل مساعدة في ملف إيران. بالنسبة للخليج، ليست القضية تايوان بحد ذاتها، بل ما الذي يعنيه هذا التنازل بشأن كيفية تقييم واشنطن لالتزاماتها الأمنية الأخرى. فإذا كان بالإمكان إعادة صياغة سياسة أمريكية استمرت عقودًا لتحقيق مكسب قصير الأمد في هرمز، فستستخلص الرياض وأبو ظبي استنتاجاتهما الخاصة بشأن قيمة شراكتهما مع واشنطن.

الصين والخليج: مصالح متقاربة

يوضح “مرصد النفوذ الصيني” التابع لـ MBN أين تكمن رهانات بكين الحقيقية. فقد بلغ حجم تجارة الصين مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 510.2 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يعادل نحو ضعفي حجم تجارة الولايات المتحدة مع المنطقة. وتبلغ تجارة الصين مع دول مجلس التعاون الخليجي الست نحو 30 ضعف تجارتها مع إيران. وقد أدانت بكين الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال الحرب، وفي الأسبوع نفسه انضمت إلى روسيا في استخدام الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن قدمته البحرين بشأن الملاحة في هرمز. لقد تم الاختيار بين إيران والخليج قبل وقت طويل من هذه القمة.

خاتمة: إطار جديد للتعاون

ما ستشير إليه أحداث هذا الأسبوع هو أن أكبر قوتين من خارج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتزمان تنسيق مصالحهما بدلاً من التصادم حولها، على الأقل في الوقت الراهن. قد لا يكون ذلك نتيجة مفاجئة، لكنه الإطار الذي ستعمل ضمنه المنطقة بقية العام.

هذا المقال مترجم عن العربية.

مين ميتشل شغلت سابقاً منصب رئيسة ومديرة تنفيذية لـ Frontline Media Fund وكانت أيضاً المديرة التنفيذية للتحرير في راديو آسيا الحرّة (Radio Free Asia).

اكتشف المزيد من الحرة

previous خاص بـ”الحرة”.. قاآني يطرح “ثلاثة شروط” على حكومة الزيدي


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *