على مدى عقود، لم يغب النشاط الاستخباراتي الإيراني وشبكاته عن الساحة التركية. تشير مصادر معارضة وناشطون إيرانيون، في تصريحات خاصة لـ”الحرة”، إلى أن فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قد بدأ في تنشيط خلاياه النائمة وتوسيع نفوذه داخل تركيا، وذلك منذ المواجهة العسكرية التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025.
مخطط التجنيد والأهداف الاستخباراتية
توضح المصادر ذاتها أن الاستراتيجية الإيرانية تتضمن تجنيد أعداد كبيرة من الأتراك والأفغان والباكستانيين والعرب المقيمين في تركيا، مقابل حوافز مالية. تهدف هذه العملية إلى تنفيذ مهام استخباراتية وشن هجمات محتملة تستهدف المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي التركية. كما يشمل المخطط نقل بعض هؤلاء المجندين إلى داخل إيران لدمجهم في الميليشيات الموالية للحرس الثوري، بهدف القيام بأدوار استخباراتية وعسكرية خلال فترات الصراع.
اعتقالات في تركيا ودور المخابرات
في سياق متصل، أعلنت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية في 29 يناير الماضي عن اعتقال ستة أشخاص، من بينهم مواطن إيراني، بتهمة التجسس وجمع معلومات عسكرية لصالح إيران. جاءت هذه الاعتقالات بعد مداهمات منسقة في خمسة أقاليم تركية، إثر تحقيق مشترك أجرته نيابة إسطنبول وشرطة مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات التركي. وقد اتهم المعتقلون بجمع معلومات حساسة حول قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية داخل تركيا وخارجها، بالتنسيق مع جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني.
وجهات نظر تركية حول النفوذ الإيراني
لا ينكر صحفيون ومراقبون سياسيون أتراك، تحدثوا لـ”الحرة”، وجود نفوذ إيراني في بلادهم، لكنهم يستبعدون قدرة طهران على تنفيذ عمليات واسعة النطاق داخل الأراضي التركية. يشير الصحفي والباحث في شؤون الشرق الأوسط، إسماعيل جوكتان، إلى استمرار وجود مجموعات تركية وكردية إسلامية، مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران، أو متأثرة بالثورة الإسلامية. ويذكر جوكتان حزب السعادة التركي، الذي يُعد امتداداً لحزب الرفاه الإسلامي ولديه علاقات إيجابية مع النظام الإيراني، وحزب هدى بار الكردي، الجناح السياسي لحركة حزب الله المسلحة سابقاً، كمثالين بارزين على هذا النفوذ.
ومع ذلك، يرى جوكتان أن إيران تواجه صعوبة في تحريك هذه المجموعات بشكل منظم، نظراً لأن غالبيتها لا تزال تُعرّف نفسها كحركات إسلامية سنية، رغم تقاربها السياسي مع إيران. ويضيف جوكتان: “بلا شك تحاول إيران منذ سنين بناء محور تستند إليه داخل تركيا، لكن لا يمكنها أن تبني محوراً مثل ما فعلت في العراق أو لبنان وحتى سوريا، لأن أكثرية الحركات الإسلامية المتأثرة بإيران تقتصر فعالياتها في مجالات سياسية أو دعوية مع أنهم لم يتشيعوا.”
مبادرة “إعلام المقاومة”
في 15 أبريل الماضي، أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن اجتماع مشترك عُقد في مدينة تبريز الإيرانية، ضم صحفيين وناشطين أتراك موالين لإيران وآخرين إيرانيين. كان الهدف من الاجتماع الإعداد لتشكيل “إعلام المقاومة” الممتد بين البلدين، كجزء أساسي من استراتيجية إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ووفقاً للوكالة الإيرانية، شارك في الاجتماع العديد من الشخصيات التركية المعروفة بولائها لإيران، مثل الصحفي نور الدين شيرين، حيث أعلن الوفد التركي عن دعمه “لولاية الفقيه وجبهة المقاومة” التي تقودها إيران.
لكن الخبير التركي في العلاقات الدولية، محمد رقيب أوغلو، يقلل من تأثير هذه المبادرات، مؤكداً لـ”الحرة” أن: “هناك أشخاص موالون لإيران ولحزب الله اللبناني والميليشيات الإيرانية الأخرى في تركيا، لكن ليس لهم أي تأثير، أعدادهم قليلة جداً، ولن يتمكنوا من تنظيم أي تشكيل أو تأسيس ما يسمى بإعلام المقاومة، لذلك لن تنجح إيران في أي خطوة سواء من جهة تحشيد نفوذها أو الترويج لمليشياتها في تركيا.”
تاريخ من العمليات السرية
للنفوذ الإيراني تاريخ حافل بالعمليات السرية في تركيا، خاصة في حقبة التسعينيات. في تلك الفترة، نفذت خلايا إيرانية، ممثلة بتنظيم “السلام والتوحيد” السري الموالي للحرس الثوري، سلسلة من التفجيرات وعمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات وناشطين وصحفيين بارزين. بالتزامن مع ذلك، قام الحرس الثوري بتحريك تنظيم كردي آخر تابع له في جنوب شرق تركيا، عُرف باسم “حزب الله”، حيث تلقى مسلحوه وعناصره تدريبات عسكرية واستخباراتية مكثفة على يد ضباط من فيلق القدس.
توسيع قاعدة التجنيد
لا يقتصر تركيز إيران في تجنيد العملاء على المواطنين الأتراك فحسب، بل يمتد ليشمل اللاجئين والمقيمين في المدن التركية، خاصة العرب الذين تزايد عددهم منذ انطلاق الربيع العربي، وفي مقدمتهم السوريون واللبنانيون والفلسطينيون، بالإضافة إلى الباكستانيين والأفغان. يؤكد المختص بالشأن الإيراني، سوران بالاني، لـ”الحرة” أن إيران تمكنت من تجنيد العديد من هؤلاء لتنفيذ أجنداتها خلال السنوات الماضية.
ويشير بالاني إلى أن إيران تتمتع بقدرة كبيرة على تشكيل هذه الخلايا السرية عالمياً، خاصة في المنطقة، من خلال استخدام أدواتها الدبلوماسية لتجنيد ناشطين وصحفيين وشخصيات اجتماعية معروفة للعمل لصالحها.
منظومة النفوذ الإيراني المتكاملة
لا تقتصر عمليات الحرس الثوري الخارجية على السفارات والقنوات الدبلوماسية التقليدية. فوفقاً لمعلومات حصلت عليها “الحرة” من معارضين إيرانيين في أوروبا، تحولت المنظومة الإيرانية إلى شبكة متكاملة تشمل الإعلام والصحفيين، وجماعات الضغط السياسية (اللوبيات)، ومراكز الدراسات، والشخصيات الأكاديمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنظمات والجمعيات الخيرية والثقافية والدينية. تعمل هذه الشبكات بهدوء على تنفيذ عمليات وهجمات ضد المصالح الغربية عبر مجندين من جنسيات مختلفة، وفي الوقت ذاته تسعى لتلميع صورة النظام الإيراني في الخارج وتقديمه كضحية.
تركيا: ساحة عمليات متقدمة
يوضح الناطق الرسمي باسم التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز، عبدالرحمن الحيدري، أن تركيا بالنسبة لإيران ليست مجرد دولة مجاورة، بل تُعد ساحة عمليات متقدمة. فأنقرة تجمع بين الموقع الجغرافي الحساس والانفتاح السياسي والإعلامي النسبي، بالإضافة إلى وجود بيئات اجتماعية قابلة للتأثر بالخطاب الذي يتبناه النظام الإيراني.
ويؤكد الحيدري أن النفوذ الإيراني لا يتحرك دائماً عبر مؤسسات رسمية واضحة، بل يعتمد على ما يمكن وصفه بـ”الخلايا الإعلامية النائمة”. هذه الخلايا تتكون من شخصيات ومؤسسات لا تعمل رسمياً باسم طهران، لكنها تتحرك سياسياً وإعلامياً لحماية خطابها وتبرير سياساتها، وتقديم أذرعها المسلحة كحركات مقاومة مشروعة. يعتبر هذا النوع من النفوذ أكثر خطورة من النفوذ التقليدي، لأنه يتسلل عبر اللغة والتأثير النفسي وإعادة تشكيل الوعي العام، بدلاً من فرض نفسه بالقوة المباشرة.
ويرى الحيدري أن هذه الاستراتيجية الإيرانية تكتسب بعداً أكثر حساسية في تركيا، التي تحتضن شريحة واسعة من ذوي التوجهات الإسلامية. وهذا يمنح إيران فرصة مثالية لاستثمار هذا المناخ عبر خطاب أيديولوجي قائم على شعارات “المقاومة”، مما يسمح لطهران ببناء تعاطف شعبي يتجاوز الخلافات التاريخية بين البلدين. ويختتم الحيدري بالإشارة إلى أن تركيا، في ظل النفوذ الإيراني وأنشطة الحرس الثوري المختلفة، قد تتحول من مجرد منصة إعلامية إلى ساحة نفوذ مركبة تجمع بين الإعلام والاستخبارات والتأثير السياسي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق