عامل يحمل أكواماً من العملة اليمنية في البنك المركزي اليمني بصنعاء، في إشارة إلى أزمة السيولة النقدية.
الاقتصاد

اليمن: أزمة سيولة نقدية خانقة تعصف بالاقتصاد رغم استقرار الريال

حصة
حصة
Pinterest Hidden

المكلا، اليمن – على الرغم من نجاح الإجراءات الحكومية في كبح جماح تدهور قيمة الريال اليمني، إلا أنها أفرزت تحدياً جديداً يتمثل في أزمة سيولة نقدية حادة. فبعد أن شهد الريال استقراراً ملحوظاً، يواجه اليمنيون الآن صعوبة متزايدة في الحصول على العملة المحلية، مما يعرقل الحياة اليومية ويشل الحركة التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

جهود حكومية لتحقيق الاستقرار النقدي

لقد اتخذ البنك المركزي اليمني، ومقره في مدينة عدن الجنوبية، سلسلة من الإجراءات الصارمة بهدف استعادة الثقة في العملة الوطنية. شملت هذه الإجراءات إغلاق شركات الصرافة غير المرخصة التي يُزعم تورطها في المضاربة على العملة، ومركزة التحويلات المالية الداخلية ضمن نظام رقابي محكم، بالإضافة إلى تشكيل لجنة للإشراف على الواردات وتزويد التجار بالعملات الصعبة.

أسهمت هذه التدابير في وقف التدهور الحر للريال، حيث انخفض سعر صرف الدولار الأمريكي من حوالي 2900 ريال يمني قبل أشهر إلى نحو 1500 ريال حالياً، وهو ما قوبل بترحيب مبدئي. غير أن هذا الاستقرار كان قصير الأجل، مع تصاعد الإحباط الشعبي جراء النقص المتفاقم في السيولة النقدية بالريال اليمني.

أزمة السيولة: شلل يضرب الأسواق

يشكو المواطنون في المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، مثل عدن وتعز والمكلا وغيرها، من نقص غير مسبوق في الريال اليمني بالأسواق. ويؤكد العديد منهم، خاصة من يمتلكون الدولار الأمريكي أو الريال السعودي، أن البنوك المحلية وشركات الصرافة ترفض تحويل العملات الأجنبية أو تحد من عمليات الصرف اليومية إلى مبالغ زهيدة لا تتجاوز 50 ريالاً سعودياً للشخص الواحد، مبررة ذلك بنقص السيولة المحلية.

هذا الوضع ترك العديد من اليمنيين عاجزين عن الوصول إلى أموالهم النقدية أو استخدام مدخراتهم من العملات الصعبة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، مما أدى إلى شلل في الأنشطة التجارية وظهور سوق سوداء يتم فيها تبادل العملات الأجنبية بأسعار أقل تفضيلاً للعميل.

تأثير مباشر على الأعمال والحياة اليومية

محمد عمر، صاحب متجر بقالة صغير في المكلا، يروي معاناته في محاولة تحويل بضع مئات من الريالات السعودية التي تلقاها من زبائنه. يقول عمر، وهو رجل في أوائل الخمسينيات من عمره: “تنقلت من صراف إلى آخر، وجميعهم يرفضون صرف أكثر من 50 ريالاً. إنه إهدار للوقت والجهد – واضطررت لإغلاق متجري”.

يعاني اليمن من انهيار اقتصادي مستمر منذ أكثر من عقد، نتيجة للحرب الدائرة بين الحكومة المدعومة من السعودية والحوثيين المدعومين من إيران، والتي أودت بحياة الآلاف وشردت الملايين. وإلى جانب الصراع العسكري، استهدفت الأطراف المتحاربة مصادر الإيرادات الرئيسية لبعضها البعض، مما ترك كلاً من الحوثيين والحكومة في ضائقة مالية، ويكافحون لدفع رواتب القطاع العام وتمويل الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

استجابة البنك المركزي وتذمر شعبي

في اجتماع لمجلس الإدارة عقد في مارس، أقر البنك المركزي في عدن بوجود نقص في السيولة النقدية، ووافق على عدة إجراءات “قصيرة وطويلة الأجل” غير محددة لمعالجة المشكلة، مشيراً إلى أنه يتبع “سياسات احترازية متحفظة” لتحقيق استقرار الريال وكبح الضغوط التضخمية.

كما اشتكى الموظفون الحكوميون من أن الحكومة اليمنية التي تعاني من ضائقة مالية تدفع الرواتب بأوراق نقدية ذات فئات صغيرة – غالباً 100 ريال – مما يجبرهم على حمل أجورهم في أكياس. وعبر منيف علي، موظف حكومي في لحج، عن إحباطه عبر فيسبوك، ناشراً مقطع فيديو لنفسه جالساً بجانب حزم كبيرة من فئات 100 و200 ريال قال إنه تلقاها من البنك المركزي. وأشار منيف، مثل العديد من اليمنيين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن التجار يرفضون قبول كميات كبيرة من الأوراق النقدية ذات القيمة المنخفضة. وقال منيف: “التجار يرفضون الاعتراف بهذا”، في إشارة إلى أكوام أوراق الـ 100 والـ 200 ريال أمامه، مضيفاً: “يجب اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم”.

من بين الفئات الأكثر تضرراً من نقص السيولة النقدية هم الأشخاص الذين يحتفظون بمدخراتهم بالريال السعودي، العملة الفعلية في أجزاء من اليمن، وكذلك المغتربون اليمنيون الذين يرسلون تحويلات بالعملات الصعبة إلى عائلاتهم، والجنود الذين يتقاضون رواتبهم بالريال السعودي.

حلول مبتكرة لمواجهة الأزمة

لمواجهة نقص السيولة ورفض شركات الصرافة تحويل العملات الصعبة، تبنى اليمنيون مجموعة من الحلول البديلة. يعتمد البعض على أصحاب المتاجر الموثوق بهم الذين يسمحون بالدفع المؤجل، بينما يقوم آخرون بتبادل العملات الأجنبية في محلات البقالة أو السوبر ماركت المحلية، غالباً بأسعار أقل وغير مواتية. كما أدخلت البنوك وشركات الصرافة التحويلات المالية عبر الإنترنت، مما ساعد في تخفيف الأزمة على البعض.

في المناطق الريفية، حيث الوصول إلى الإنترنت محدود ومحلات الصرافة نادرة، تكون المشكلة أكثر حدة. روى صالح عمر، أحد سكان مديرية دوعن في حضرموت، للجزيرة أنه تلقى حوالة قدرها 1300 ريال سعودي مرسلة من السعودية. لكن شركة الصرافة التي سلمته المال رفضت تحويله إلى ريالات يمنية، متذرعة بنقص السيولة، ونصحته بمحاولة المحلات المجاورة.

وبينما كان سعر الصرف الرسمي حوالي 410 ريالات للريال السعودي، وافق صاحب متجر – بعد مناشدات متكررة – على صرف 500 ريال فقط، وبسعر أقل بلغ 400 ريال. قال صالح: “توسلت تقريباً لصاحب المتجر ليصرف لي 500 ريال”. وأضاف أنه لتحويل الـ 800 ريال المتبقية، سيتعين عليه العودة في يوم آخر والتنقل من متجر لآخر. “نحن نعاني بشدة لمجرد تحويل الريال السعودي إلى ريال يمني”.

المعارف الشخصية: مفتاح لتجاوز الأزمة

غالباً ما يكون الأفراد ذوو العلاقات الجيدة في وضع أفضل من غيرهم للتغلب على نقص السيولة النقدية، حيث يعتمد البعض على اتصالات شخصية في البنوك وشركات الصرافة للوصول إلى النقد. خالد عمر، الذي يدير وكالة سفر في المكلا، يقول إن معظم معاملاته التجارية تتم بالريال السعودي أو الدولار الأمريكي. ولكن عندما يحتاج إلى الريال اليمني لدفع رواتب الموظفين أو تغطية فواتير الخدمات، فإنه يلجأ إلى جهة اتصال موثوقة في شركة صرافة محلية. وقال خالد للجزيرة: “نعمل مع تاجر صرافة عندما نحتاج إلى الريالات لدفع الرواتب أو تلبية النفقات الأساسية. شركات الصرافة تقول إنها تواجه أزمة سيولة”.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

على وسائل التواصل الاجتماعي، يشير اليمنيون إلى أن بعض المرضى حُرموا من الأدوية بسبب رفض المرافق الصحية قبول الدفع بالريال السعودي، بينما ترفض شركات الصرافة تحويل العملة إلى ريالات يمنية. في تعز، قال هشام السمان إن مستشفى محلياً رفض قبول الريال السعودي من قريب مريض، مما أجبره على التجول في المدينة بحثاً عن شخص لتحويل المال لدفع تكاليف العلاج. كتب السمان في منشور على فيسبوك حظي بعشرات التعليقات من آخرين يبلغون عن تجارب مماثلة، بما في ذلك حرمانهم من الخدمات الطبية لعدم امتلاكهم العملة المحلية: “هل هناك أي عدل للناس يا حكومة؟ هل سيحاسب أحد أولئك الذين يرفضون صرف العملة ويستغلون حاجات الناس؟”.

فرصة غير متوقعة لبعض التجار

بالنسبة للتجار الذين يستوردون البضائع من السعودية، أصبحت أزمة السيولة بمثابة نعمة مقنعة، حيث يتوفر الريال السعودي بشكل متزايد بأسعار مخفضة. قال تاجر ملابس في المكلا للجزيرة، شريطة عدم الكشف عن هويته، إنه يقبل المدفوعات بالريال اليمني والريال السعودي، جزئياً لجذب العملاء وجزئياً لتأمين العملة الأجنبية التي يحتاجها لعمله. وأضاف: “بصفتي رجل أعمال يبيع البضائع بالريال اليمني، أستفيد من نقص السيولة النقدية. شركات الصرافة التي تحتاج إلى العملة المحلية التي أحتفظ بها تبيع لي الريال السعودي بأسعار أقل”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *