يواجه الثنائي الشيعي في لبنان تحديات متزايدة قد تدفع به نحو مفترق طرق، حيث بات إدراك خطورة الافتراق وتداعياته أمراً حتمياً. فالعلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله، التي شهدت تراجعاً ملحوظاً مؤخراً، تستدعي اليوم العودة إلى تحصين التنسيق السابق أو على الأقل تبديد أي سوء تفاهم قائم، بغض النظر عن مدى استعادة حرارة العلاقة.
تصدعات في العلاقة: من التنسيق إلى التباعد
لم تكن العلاقة بين الطرفين في أفضل أحوالها حتى قبل الكشف عن تفجيرات ضهر البيدر. فالتكتل الذي شكله رئيس مجلس النواب نبيه بري مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في ملف المفاوضات، لم يلق قبولاً لدى حزب الله. في المقابل، شعر الرئيس بري بأنه أُقصي عن دائرة التشاور المقربة، خاصة بعد قرار الحزب تجاوز التوافقات المعهودة وعدم الأخذ بملاحظاته، وهو الذي كان يوصف بـ”الأخ الأكبر” ولعب دور الوسيط السياسي للحزب في مراحل سابقة، عندما تعذر على أركان السلطة التواصل معه.
إن الرسائل المتبادلة مؤخراً بين بري وحزب الله توحي بتشرذم واضح، ووصول العلاقة إلى حد غياب التعاون الفعلي. ورغم أن هذا التباعد في الرؤى لا يُعد “طلاقاً” سياسياً، إلا أنه قابل للمعالجة، وإن كان يتطلب جهوداً حثيثة من الطرفين.
دلالات التوتر ومحاذير الانخراط في صراعات جديدة
لم يكن حديث رئيس مجلس النواب عن “غياب الحرارة” في العلاقة سابقاً مجرد صدفة، بل جاء في توقيت يحمل دلالات عميقة، خاصة في ظل الحديث عن انخراط محتمل لحزب الله في “حرب إسناد” جديدة دعماً لإيران، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات خطيرة على البيئة الشيعية في لبنان.
تشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن كلا الفريقين لا يرغب في مقاطعة الآخر، لكن هناك حاجة ماسة لإعادة تقييم شاملة للعلاقة وتحديد واقعها الحالي. فالهاجس المشترك لديهما هو الحفاظ على “القوة الشيعية الكبرى”، ولا توجد نية لتغيير هذا المبدأ. وتذهب المقاربة إلى أن الرئيس بري، الذي أمضى خمسين عاماً في بناء هذه القوة، لا يمكن أن يفرط بها أو يعرضها للتدمير تحت أي ذريعة.
وتحذر المصادر نفسها من أن دخول حزب الله في حرب جديدة قد يعني “تدمير كل شيء”، والقضاء على هذا الإنجاز في غضون أشهر. وفي المقابل، يدرك قادة حزب الله أن أي مغامرة عسكرية جديدة ستكون لها انعكاسات سلبية للغاية، وقد تؤدي إلى “صراع شيعي-شيعي” داخلي، إن لم يكن تصادماً مباشراً.
قنوات التواصل مفتوحة.. ولكن التحديات عميقة
تؤكد المصادر أن ترميم العلاقة بين الثنائي الشيعي لا يحتاج إلى وسطاء أو “أصحاب مبادرات”، فقنوات التواصل بين الطرفين ليست مقفلة. والدليل على ذلك ما تردد عن تلقي الرئيس بري ضمانات من حزب الله بعدم الانخراط في حرب جديدة، رغم أن التصريحات الرسمية لم تؤكد ذلك، كما أن تأكيدات المسؤولين الإيرانيين بعدم طلب التدخل قد لا تكون حاسمة بالنظر إلى تجارب سابقة، فالتسريبات الإعلامية غالباً ما تختلف عن الحقائق على الأرض.
حتى لو زار وفد من حزب الله الرئيس بري، فإن ذلك لا يعني بالضرورة حل جميع التراكمات، أو أن بري سيطالب الحزب بتسليم السلاح وتطبيق قرارات الحكومة. فالرئيس بري يحرص على تجنب أي شرخ داخل الطائفة الواحدة، ولا يرغب في تكرار سيناريوهات الماضي، ويكفي ما يشهده الجنوب اليوم من توترات.
مستقبل غامض في ظل تعقيدات متزايدة
لا يوجد انقسام في الرأي حول وصف عدوانية إسرائيل، لكن من الضروري عدم الخروج عن سياق المهام الدستورية للسلطة. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان التباين بين الثنائي الشيعي سيجد طريقه إلى الحل، أم أن الفوارق ستزداد صعوبة وتصبح عصية على المعالجة. فالظرف الحالي في لبنان، بكل تعقيداته، لا يخدم مصلحة أي طرف. فعدم بلورة صورة واضحة للقوة البديلة عن اليونيفيل، ومعالجة الفراغ المحتمل في الجنوب بعد مغادرتها، يضاف إلى تعقيدات محلية وخارجية أخرى.
إن ما يجري اليوم بين رئيس مجلس النواب وحزب الله يتجاوز مجرد خلاف على تفاصيل صغيرة؛ إنها مسألة تتطلب رؤية جديدة للعلاقة، وربما أسساً جديدة للتعاطي بينهما لضمان استقرار الساحة الشيعية واللبنانية عموماً.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق