أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك جنوبي الأردن، خلال مراسم تشييع جنازة، تسليط الضوء على الوجود المسيحي العريق في المملكة. يمتد تاريخ المسيحيين الأردنيين لقرون طويلة سبقت تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، ويشكلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد.
تتراوح نسبة المسيحيين في الأردن حالياً بين 2 إلى 3 في المئة من إجمالي السكان، وفقاً لتقديرات وزارة السياحة والآثار الأردنية. بينما يشير تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الحرية الدينية لعام 2023 إلى نسبة 2.1 في المئة، مع تقديرات كنسية تتراوح بين 1.8 و 3 في المئة.
أصول المسيحيين في الأردن: جذور تاريخية عميقة
يعود الوجود المسيحي في الأراضي التي تُعرف اليوم بالأردن إلى فجر المسيحية، وتحديداً إلى القرون الأولى للميلاد، عندما كانت المنطقة تحت الحكم الروماني ثم البيزنطي. شهدت هذه الحقبة ازدهاراً ملحوظاً للمسيحية، خاصة بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين، وهو ما تؤكده الآثار الباقية من الكنائس والأديرة والفسيفساء المكتشفة في مدن مثل مادبا والكرك وغيرها.
ينحدر العديد من المسيحيين الأردنيين من عشائر وقبائل عربية أصيلة استوطنت المنطقة منذ أمد بعيد. فقبل ظهور الإسلام، كانت بلاد الشام موطناً لقبائل عربية مسيحية بارزة، كالغساسنة، الذين نسجوا علاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع الإمبراطورية البيزنطية.
استمرت هذه الجماعات المسيحية في المنطقة بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، محافظةً على هويتها ومؤسساتها وتقاليدها الدينية. وخلال العهد العثماني، تركزت التجمعات المسيحية بشكل خاص في مناطق عجلون والسلط والكرك.
تشير تقديرات السلطات البريطانية عند تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921، والتي أوردتها الباحثة جيرالدين شاتيلار في دراسة صدرت عام 2010، إلى أن المسيحيين كانوا يشكلون أقل من 10 في المئة من إجمالي السكان، الذي قُدّر آنذاك بنحو 230 ألف نسمة. وتضم المملكة اليوم أيضاً مسيحيين من أصول فلسطينية، نزح بعضهم بعد حربي 1948 و1967، بالإضافة إلى جاليات من أصول أرمنية وعراقية وسورية.
الطوائف المسيحية وتوزيعها الجغرافي
تتوزع التجمعات المسيحية في الأردن بشكل رئيسي في العاصمة عمّان ومحافظات مادبا والبلقاء والكرك، بالإضافة إلى تجمعات أخرى في شمال المملكة.
تُعد مادبا من المدن الأردنية ذات الأهمية التاريخية المسيحية البالغة، حيث تحتضن كنائس ومواقع أثرية تعود إلى العصر البيزنطي. وفي محافظة البلقاء، تبرز مدينة السلط بتجمعاتها المسيحية العريقة، إلى جانب بلدة الفحيص التي تتميز بأغلبيتها المسيحية. أما في محافظة الكرك، فتنتشر عائلات وعشائر مسيحية متجذرة، منها الهلسا والحجازين. كما توجد تجمعات مسيحية في مناطق الحصن وإربد وعجلون وعنجرة والوهادنة، بالإضافة إلى وجودهم في الزرقاء والعقبة.
تُعتبر كنيسة الروم الأرثوذكس أكبر الطوائف المسيحية في الأردن من حيث عدد الأتباع، وترتبط روحياً ببطريركية الروم الأرثوذكس في القدس. إلى جانبها، توجد الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية، التي بدأت بتأسيس رعاياها شرق نهر الأردن في القرن التاسع عشر، وكانت مدينة السلط أولى هذه الرعايا. كما ينتمي مسيحيون آخرون إلى كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، والسريان والأرمن والأقباط الأرثوذكس، والموارنة، فضلاً عن كنائس بروتستانتية متنوعة كالكنيسة الأنغليكانية واللوثرية والإنجيلية. وتضطلع هذه الكنائس بدور حيوي في المجتمع من خلال إدارتها لمؤسسات تعليمية واجتماعية وخيرية تخدم كافة فئات المجتمع الأردني.
المكانة الدستورية والسياسية للمسيحيين في الأردن
ينص الدستور الأردني على أن الإسلام هو دين الدولة، ولكنه في الوقت ذاته يكفل المساواة التامة بين جميع المواطنين أمام القانون، بغض النظر عن دينهم، ويحمي حرية ممارسة الشعائر الدينية. كما يعترف الدستور بمجالس الطوائف الدينية غير المسلمة، وينظم اختصاصاتها في مسائل الأحوال الشخصية.
في خطوة تعكس هذا الاعتراف، أقر مجلس الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول 2026 مشروع قانون معدل لقانون مجالس الطوائف المسيحية، تمهيداً لإحالته إلى البرلمان. يهدف هذا التعديل إلى توضيح اختصاص المحاكم الكنسية في قضايا الزواج والطلاق والوصية والتبني، مما يعزز الإطار القانوني للطوائف المسيحية.
وعلى الصعيد السياسي، يخصص قانون الانتخاب تسعة مقاعد للمسيحيين في مجلس النواب، من أصل 138 مقعداً، لضمان تمثيلهم. وقد شغل مسيحيون على مر التاريخ مناصب وزارية وإدارية وقضائية رفيعة في الدولة الأردنية، بالإضافة إلى حضورهم الفاعل في المؤسسات الاقتصادية والتعليمية.
أبرز المواقع المسيحية المقدسة والأثرية في الأردن
يزخر الأردن بالعديد من المواقع المقدسة والأثرية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ المسيحية وروايات العهدين القديم والجديد، فضلاً عن آثار توثق انتشار الديانة في المنطقة عبر العصور.
من أبرز هذه المواقع، موقع المغطس على الضفة الشرقية لنهر الأردن، حيث يُعتقد، وفقاً للتقليد المسيحي، أن السيد المسيح تعمّد على يد يوحنا المعمدان. وقد أدرجت منظمة اليونسكو هذا الموقع على قائمة التراث العالمي عام 2015.
في مادبا، تشتهر كنيسة القديس جورج بخريطتها الفسيفسائية الفريدة التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، وتصور القدس ومواقع أخرى في فلسطين والأردن ومصر. ويقع بالقرب منها جبل نيبو، الذي يرتبط في التقاليد الدينية بقصة النبي موسى ورؤيته لأرض الميعاد.
يضم موقع أم الرصاص، المدرج على قائمة التراث العالمي منذ عام 2004، آثار 16 كنيسة، من بينها كنيسة القديس إسطفانوس التي تتميز بفسيفسائها الشهيرة. وفي العقبة، توجد بقايا كنيسة يعود بناؤها إلى نحو عام 290 ميلادياً، وتُعد من أقدم الكنائس التي شُيدت خصيصاً للعبادة المسيحية.
تشمل المواقع الدينية الأخرى قلعة مكاور، المرتبطة بقصة إعدام يوحنا المعمدان، ومزار سيدة الجبل في عنجرة، وتل مار إلياس قرب عجلون، الذي يرتبط بالتقاليد المسيحية عن النبي إيليا.
وفي إطار تعزيز السياحة الدينية، أعلنت وزارة السياحة والآثار في يونيو/حزيران 2026 عن توثيق 34 موقعاً للحج المسيحي، تمهيداً للترويج لها ضمن برامج سياحية متخصصة. كما شهد يناير/كانون الثاني 2025 افتتاح كنيسة معمودية السيد المسيح الكاثوليكية الجديدة في منطقة المغطس. وفي أغسطس/آب 2026، وقّعت الحكومة اتفاقيات لمشاريع تطويرية حول الموقع بكلفة تقديرية تبلغ 120 مليون دولار، تشمل متحفاً وقرية للحجاج وتحسين البنية التحتية. وتندرج هذه المشاريع ضمن استعدادات الأردن لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية المسيح عام 2030، وتعزيز مكانته كوجهة عالمية للحج المسيحي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق