تتجه أنظار الدوائر الدبلوماسية والأمنية نحو لوكسمبورغ، حيث يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي غداً الاثنين لمناقشة مقترح حيوي يتعلق بمستقبل الاستقرار في لبنان. يتضمن جدول الأعمال إنشاء بعثة أوروبية مدنية وعسكرية تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من خلال تقديم الخبرات والتدريب. يأتي هذا المسعى الأوروبي في إطار دعم سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها، وتعزيز أمن الحدود والأمن الداخلي.
البعثة الأوروبية المقترحة: دعم للسيادة اللبنانية
لا يُنظر إلى البعثة الأوروبية المقترحة كبديل للقوة الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، بل كرافد يساهم في الحفاظ على الوجود الأوروبي في المنطقة، الذي يشهد تراجعاً ملحوظاً. وتبرز أهمية هذه المبادرة في ظل احتمالية انتهاء مهمة اليونيفيل، الأمر الذي قد يضعف الوجود الأوروبي ككل، علماً بأن الدول الأوروبية تساهم بنحو 3000 عنصر ضمن القوة الأممية. ففي 23 أيلول 2026، بلغ عدد الدول المشاركة في اليونيفيل 46 دولة، بإجمالي 7565 جندياً لحفظ السلام، وهو ما يعكس أهمية هذا الوجود لكل من الدول الأوروبية ولبنان على حد سواء.
مستقبل اليونيفيل: تباين المواقف الدولية
يرى الاتحاد الأوروبي أن التطورات الأخيرة، لا سيما بعد اعتماد القرار 2790 في مجلس الأمن والوضع الميداني الراهن، تستدعي استمرار الوجود الدولي بعد انتهاء تفويض اليونيفيل في كانون الأول المقبل. وتؤيد دول أوروبية وغير أوروبية تمديد تفويض البعثة لفترة مؤقتة. في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة متمسكة بموقفها الداعي إلى تقليص حجم البعثة، بل وإنهاء مهمتها بشكل كامل.
خيارات مجلس الأمن لتجنب الفراغ الأمني
مع اقتراب موعد مناقشة مجلس الأمن الدولي للتقرير نصف السنوي للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول تنفيذ القرار 1559 (الصادر عام 2004، والذي نص على انسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات وبسط سيطرة الحكومة)، يُتوقع أن يستمر البحث في الدور المستقبلي للمجلس لدعم تنفيذ القرارين 1559 و1701، وتعزيز السلام والاستقرار بين لبنان وإسرائيل.
يشير التقرير الشهري لمجلس الأمن إلى استمرار الضغط الدولي في هذا الاتجاه، مؤكداً أنه في حال استمرار تأجيل اتخاذ قرار بشأن الترتيبات اللاحقة لولاية اليونيفيل، يمكن للمجلس النظر في اعتماد قرار يؤجل، بصورة استثنائية، خفض عديد القوة لمدة ستة أشهر. من شأن هذا الإجراء أن يمنح أعضاء المجلس فرصة لدراسة الخيارات المناسبة والتطورات الدبلوماسية والأمنية، مع تجنب حدوث فراغ أمني. كما يمكن للقرار أن يطالب بالوقف الفوري للأعمال العدائية، ويدعو جميع الأطراف إلى الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حماية المدنيين، والوفاء بالتزاماتها بموجب القرارين 1701 و1559. وتشمل هذه الالتزامات انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، بدعم من اليونيفيل، في جميع أنحاء جنوب لبنان، ومواصلة الحكومة اللبنانية بسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح جميع الميليشيات.
تداعيات الانسحاب المحتمل: تحديات وفرص
يغذي هذا الواقع استمرار المطالبات النيابية الداخلية ببقاء اليونيفيل ومواصلة الضغط في هذا الاتجاه، على الرغم من أن النجاح في ذلك يبدو ضئيلاً، نظراً لصعوبة توقع تراجع الولايات المتحدة عن قرارها إنهاء مهمة القوة الدولية في الجنوب، بعد ما يقارب خمسة عقود على إنشائها. يرى مراقبون أن هناك جانباً إيجابياً في هذا الواقع، على الرغم من المخاوف اللبنانية من حدوث فراغ أمني في الجنوب، والذي يُخشى أن يرتب تداعيات كبيرة على المدنيين هناك. يتمثل هذا الجانب في حتمية استمرار التزام الولايات المتحدة بالدفع قدماً نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وترتيب إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل.
في المقابل، تُوجَّه نصائح إلى المسؤولين اللبنانيين بعدم التذرع بأن بقاء اليونيفيل يرتبط بالدعم المتعدد الأوجه الذي قدمته للجنوب. يعتقد الأميركيون أن الهدوء والسلام في المنطقة يمكن أن يساهم في إنمائها وإنعاشها، في ظل الاستثمارات الداخلية والخارجية التي قد يشجع عليها ذلك. ويُضاف إلى ذلك أن البعض يقارن المخاوف من فقدان وجود اليونيفيل في الجنوب بالتحذيرات التي رافقت سابقاً المطالبات الداخلية بانسحاب الجيش السوري من لبنان، مع ضرورة التمييز بين الحالتين، خاصة لجهة الدور الذي تؤديه القوة الدولية في الفصل بين لبنان وإسرائيل في الجنوب.
تعقيدات الواقع الميداني ودور حزب الله
لكن، كما يشير هؤلاء المراقبون، تغيب المناقشة الجدية للدور المتغير لليونيفيل في الجنوب، والذي تأثر سابقاً بالوجود السوري في لبنان، وكذلك بالوجود الفلسطيني المؤثر. لقد اختلفت وظيفة القوة الدولية ودورها، وكذلك الظروف والواقع الميداني. وفي وقت يتزايد فيه الضغط على لبنان للإمساك بزمام سلطته وممارسة سيادته على حدوده، باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من بسط سيادة الدولة وإثبات قدرتها على ذلك، يبقى الواقع الميداني والعملي أكثر تعقيداً من التعبير عنه بهذه المعادلة البسيطة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والعمليات العسكرية المرتبطة بالصراع الإقليمي.
لم تنجح المفاوضات التي بدأها لبنان مع إسرائيل حتى الآن في إطلاق خطوات عملية تتيح استعادة لبنان لسلطته وسيادته. وفي هذا السياق، فإن انتهاء مهمة اليونيفيل يربك حزب الله بمقدار لا يقل عن إرباك الدولة اللبنانية، ويضع أمامها تحديات إضافية. فهل يصبح لبنان أكثر اعتماداً على نفسه وعلى جيشه في المرحلة المقبلة؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق