حركة تقرير المصير في القبائل: جذورها، تطلعاتها، وتأثيرها على المشهد الجزائري والإقليمي
شهدت العلاقات بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة مؤخراً تصعيداً ملحوظاً، توّج بقرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية. ضمن حيثيات هذا القرار أحادي الجانب، برز اسم “حركة تقرير المصير في القبائل” (الماك)، المصنفة كـ “منظمة إرهابية” من قبل الجزائر، التي تتهم الإمارات بدعم هذه الحركة.
في سياق متصل، أعلنت حركة الماك في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي، من العاصمة الفرنسية باريس، عن استقلال منطقة القبائل وتأسيس “الجمهورية الفيدرالية العلمانية والديمقراطية لإقليم القبائل”. قوبلت هذه الخطوة برفض قاطع من مختلف الأحزاب الجزائرية، التي أكدت على وحدة الدولة الجزائرية وسيادتها الترابية.
منطقة القبائل: لمحة تاريخية وجغرافية
تقع منطقة القبائل الأمازيغية شرق العاصمة الجزائرية، وتتميز بطبيعتها الجبلية وإطلالتها على البحر الأبيض المتوسط. تشمل هذه المنطقة ولايات وأجزاء من ولايات تيزي وزو، بجاية، بومرداس، البويرة، سطيف، برج بوعريريج، وجيجل.
يُعد الأمازيغ السكان الأصليين لهذه المنطقة، التي تشكل أكبر تجمع لهم في الجزائر، حيث يُقدر عددهم بما يتراوح بين 10 إلى 15 مليون نسمة، أي ما يقارب ربع سكان البلاد. تعني كلمة أمازيغ “الرجل الحر”، ويصف المؤرخون منطقة القبائل بأنها ذات طابع “متمرد” تاريخياً. فقد شهدت المنطقة ثورات بارزة مثل ثورة لالة فاطمة نسومر في خمسينيات القرن التاسع عشر، وثورة محمد المقراني عام 1871. كما احتضنت تأسيس أقدم حزب معارض في الجزائر، جبهة القوى الاشتراكية، بعد عام واحد من استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1962.
دفع فقر التربة وكثافة السكان في منطقة القبائل العديد من أبنائها للهجرة بحثاً عن فرص عمل في فرنسا. وقد ساهمت الجهود التعليمية الفرنسية المكثفة في جبال القبائل في تميز أبناء المنطقة، مما جعل صوتهم مسموعاً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفقاً لتقرير مجلة الإيكونوميست البريطانية.
تطلعات الأمازيغ والصراعات التاريخية
لطالما طمح الأمازيغ، منذ القدم، إلى الاعتراف بلغتهم والحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي، مما أدى إلى صراعات مستمرة على مدى عقود مع الدولة الجزائرية التي ترتكز على الهوية العربية.
في عام 1980، شهدت منطقة القبائل مظاهرات واسعة امتدت إلى العاصمة الجزائرية، مطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية “لغة وطنية”، وهو ما عُرف بـ “بداية الربيع الأمازيغي”. وفي أبريل/نيسان 2001، اندلعت أعمال شغب دامية في منطقة القبائل وامتدت إلى مناطق أخرى كالأوراس، تصدت لها قوات الأمن، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، في أحداث عُرفت بـ “الربيع الأسود”.
استجابة لهذه المطالبات التي استمرت زهاء أربعة عقود، اعترفت السلطات الجزائرية باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ثانية إلى جانب العربية عام 2002. وفي عام 2016، وبموجب تعديل دستوري، أصبحت الأمازيغية لغة رسمية بشكل كامل. كما شهدت منطقة القبائل في عام 2019 مظاهرات حاشدة ضمن “الحراك” الذي عارض ولاية خامسة للرئيس آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، وتطورت مطالبه لتشمل تفكيك النظام القائم منذ الاستقلال.
حركة تقرير المصير في القبائل (الماك): النشأة والتطور
حركة تقرير المصير في القبائل (الماك) هي حركة سياسية أمازيغية تصنفها السلطات الجزائرية كـ “منظمة إرهابية”. بدأ تشكيل الحركة بعد اضطرابات عام 2001، تحت اسم مبدئي هو “حركة استقلال القبائل”، وكانت مطالبها آنذاك تتمحور حول حصول منطقة القبائل على “الحكم الذاتي”.
في عام 2013، رفعت الحركة شعار “تقرير المصير” والانفصال، وصولاً إلى إعلان “الاستقلال” عن الجزائر من باريس في ديسمبر/كانون الأول 2025.
مؤسس الحركة، فرحات مهني، هو فنان ومغنٍ، وناشط سياسي وحقوقي أمازيغي، من مواليد ولاية تيزي وزو عام 1951. درس مهني العلوم السياسية في الجزائر، وكان أحد مؤسسي الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان. تعرض مهني للاعتقال عدة مرات بسبب نشاطه السياسي، وحُكم عليه غيابياً بالسجن لمدد تتراوح بين 15 و20 عاماً بتهم تتعلق بالانتماء لتنظيم إرهابي و”تهديد الوحدة الوطنية والمساس بسلامة التراب الوطني”.
يرى مهني، المقيم في فرنسا، أن منطقة القبائل تحولت بعد استقلال الجزائر إلى “مستعمرة داخل الدولة الجزائرية”، داعياً إلى “وضع حد للهيمنة الجزائرية” على أراضي المنطقة. وبإعلان الاستقلال، أصبح مهني رئيساً لما يُعرف بـ “الحكومة القبائلية المؤقتة في المنفى”، المعروفة اختصاراً باسم “أنافاد”.
تباين الآراء حول استقلال القبائل
يرى بعض المحللين أن فكرة استقلال القبائل “غير واقعية” وأن فرص تحقيقها على الأرض “ضئيلة بل منعدمة”. يستند أصحاب هذا الرأي إلى أن المنطقة لم تُحتلّ في غفلة من أهلها حتى تستقل، فضلاً عن أن فكرة “الانفصال” لا تحظى بتأييد واسع بين القبائليين أنفسهم، حيث يعتبر كثيرون منهم مجرد الحديث عن الانفصال “خيانة”، خاصة وأن آباءهم قد سقطوا في معارك تحرير الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.
في المقابل، يرى آخرون أن “قضية شعب القبائل” لا يمكن اختزالها في مجرد خلاف سياسي أو ثقافي، بل هي “مسألة هوية” وحق لشعب ذي هوية مستقلة في تقرير مصيره. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن وجود شعب القبائل سابقٌ على وجود الدولة الجزائرية التي تأسست عام 1962.
الموقف الدولي والإقليمي
تباينت ردود الفعل الدولية إزاء حركة الماك. ففي الولايات المتحدة وكندا، لا تُصنّف الحركة كـ “منظمة إرهابية”، ويُنظَر إلى ملفّها باعتباره ذا طابع سياسي. أما في إسرائيل، فيُنظَر إلى حركة الماك كـ “شريك محتمل” في استراتيجية الأطراف الخارجية، بحسب المعهد الإسرائيلي للاستراتيجية والأمن، وذلك نظراً للرؤية الديمقراطية والعلمانية التي تتبناها الحركة ومعارضتها للإسلام السياسي، بالإضافة إلى إمكانية انضمامها مستقبلاً لاتفاقيات التطبيع.
وتشير تقارير جزائرية إلى تلقّي حركة الماك دعماً مالياً من المغرب، وهو ما تنفيه الحركة والمملكة المغربية على السواء.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق