مقارنة بين خريطة العالم بإسقاط الأرض المتساوية وخريطة بإسقاط مركاتور، تظهر الفرق في أحجام القارات.
Global

الأمم المتحدة تدعو لتغيير خريطة العالم: أي الخرائط ترسم واقعنا بدقة؟

حصة
حصة

لطالما كانت خرائط العالم أدوات أساسية لفهم جغرافية كوكبنا، لكن هل تعكس هذه الخرائط الواقع بدقة؟ مؤخرًا، دعت الأمم المتحدة إلى تحول جذري في طريقة تمثيلنا للعالم، مطالبةً باستبدال الخريطة السائدة بأخرى تقدم صورة أكثر واقعية لأحجام القارات، لا سيما قارة أفريقيا الشاسعة. هذا القرار يفتح نقاشًا حول دقة الخرائط وتأثيرها على إدراكنا للعالم.

الأمم المتحدة تدعو لتصحيح الخريطة العالمية

في خطوة لافتة، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يهدف إلى “تصحيح الخريطة”، وذلك لمعالجة التشويهات الجوهرية في “إسقاط مركاتور” الشهير. فبينما تظهر القارة الأفريقية على خريطة مركاتور بحجم يقارب حجم غرينلاند، إلا أنها في الحقيقة أكبر منها بنحو 14 مرة. ولهذا، اعتمدت الأمم المتحدة خريطة جديدة تُعرف بـ “إسقاط الأرض المتساوية” (Equal Earth projection)، التي تعد بتمثيل أكثر دقة للأحجام الحقيقية للكتل اليابسة، على الرغم من أنها لا تخلو من بعض التحديات الخاصة بها. إن محاولة تمثيل سطح كروي على مستطيل مسطح لطالما كانت معضلة كبرى، وقد شهدت العقود الماضية محاولات عديدة لإيجاد حلول، لكل منها مزايا وعيوب.

خريطة ميركاتور: إرث الملاحة وتحديات التمثيل

خريطة وفق إسقاط مركاتور تظهر تشوهات في أحجام القارات

ابتكر رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور خريطته الشهيرة عام 1569، والتي لا تزال الأكثر استخدامًا حتى يومنا هذا. كان الهدف الأساسي من هذا الإسقاط هو خدمة الملاحة البحرية، حيث يتيح للبحارة تتبع خطوط مستقيمة على الخريطة تمثل اتجاهات ثابتة للبوصلة في الواقع، وهو ما أتقنه مركاتور ببراعة.

لكن للحفاظ على هذه الزوايا الدقيقة على سطح مستوٍ، اضطر مركاتور إلى تباعد خطوط الشبكة كلما ابتعدت عن خط الاستواء باتجاه القطبين. هذا التعديل أدى إلى تشويه كبير في الأحجام، حيث تبدو البلدان القريبة من خط الاستواء أصغر بكثير من حجمها الحقيقي، بينما تظهر المناطق القريبة من القطبين، مثل غرينلاند وروسيا، أكبر بكثير وممدودة.

يقول منتقدو خريطة مركاتور إن هذا التصوير لا يقتصر على كونه غير دقيق جغرافيًا، بل يحمل تأثيرات نفسية واجتماعية. فميلنا الغريزي لربط الحجم بالأهمية قد قلل ضمنيًا من شأن قارات مثل أفريقيا، بما تحويه من موارد هائلة وسكان وفرص استثمارية. ويؤكد الجغرافي الكيني كيوكو مويندو أن “الخرائط ليست مجرد أدلة للمسافرين، بل تسهم في تشكيل نظرتنا السياسية والاقتصادية للمناطق”.

إسقاط الأرض المتساوية: نحو تمثيل أكثر عدلاً

خريطة الأرض المتساوية تعرض مساحات الكتل اليابسة بشكل أكثر إنصافًا

جاءت خريطة “الأرض المتساوية” (Equal Earth projection) لمعالجة التشويهات التي تعاني منها خريطة مركاتور. وقد طورها فريق من رسامي الخرائط في عام 2018، مستلهمين من “إسقاط روبنسون” لعام 1963، لتقديم تمثيل أكثر دقة لأحجام وأشكال الكتل اليابسة. وقد حظي هذا الإسقاط الجديد بدعم كبير، حيث اعتمدته الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي.

ومع ذلك، فإن هذا الإسقاط يتخلى عن ميزة الخطوط المستقيمة التي جعلت مركاتور مثاليًا للملاحة، كما أنه لا يصلح لقياس المسافات الحقيقية بين الأماكن بدقة تامة. وكما يوضح أستاذ رسم الخرائط جيمس تشيشاير: “يمكنك الحفاظ على المساحة، أو الشكل، أو المسافة والاتجاه، لكن لا يمكنك الحفاظ عليها جميعًا بدقة تامة في آن واحد، وإلا عدت إلى الشكل الكروي الأصلي”. هذا يؤكد التحدي الجوهري في تحويل سطح ثلاثي الأبعاد إلى ثنائي الأبعاد.

خريطة بيترز: بديل يركز على المساحات

خريطة بيترز تظهر مساحات اليابسة بدقة مع بعض تشويه في الأشكال

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، قدم المؤرخ الألماني أرنو بيترز خريطته التي تستند إلى إسقاط وصفه رسام الخرائط الاسكتلندي جيمس غال عام 1855. تتميز خريطة بيترز بتضحيتها بدقة الأشكال في سبيل الحفاظ على دقة المساحات. ففيها، تبدو المناطق القطبية مضغوطة بينما تظهر المناطق الاستوائية ممدودة، مما يعالج بشكل فعال التفاوت في حجمي غرينلاند وأفريقيا.

هذا الإسقاط يمنح المستخدمين تصورًا أوضح للأحجام النسبية الفعلية للكتل اليابسة، مع الإبقاء على خطوط الطول والعرض مستقيمة. لكن عيبه الرئيسي يكمن في تشويهه الكبير لأشكال القارات، مما يجعلها تبدو غير مألوفة بعض الشيء، فمثلاً، تظهر روسيا أصغر بكثير مما تبدو عليه في خرائط أخرى. كما أن خطوطها المستقيمة لا تمثل اتجاهات بوصلة ثابتة، مما يجعلها غير عملية للملاحة.

بدائل أخرى لتمثيل العالم

علم الأمم المتحدة يظهر خريطة العالم المتمركزة حول القطب الشمالي

بالإضافة إلى الإسقاطات المذكورة، توجد طرق أخرى مبتكرة لتمثيل العالم. أحدها هو “الإسقاط السمتي متساوي المسافات” (Azimuthal equidistant projection)، الذي يعرض مناطق العالم بمسافات متناسبة وصحيحة من نقطة مركزية واحدة مختارة. خير مثال على ذلك هو الخريطة المرسومة على علم الأمم المتحدة، والتي تتمركز حول القطب الشمالي، حيث تقع جميع النقاط في الاتجاه الأفقي الصحيح بالنسبة للنقطة المركزية.

خريطة مقلوبة تظهر النصف الجنوبي من العالم في الأعلى

وهناك أيضًا “الخرائط الموجهة نحو الجنوب” أو “المقلوبة”، التي تضع مناطق النصف الجنوبي من العالم في الجزء العلوي من الخريطة. هذه الخرائط هي ببساطة نسخ معكوسة 180 درجة من الخرائط التقليدية التي تضع الشمال في الأعلى، وتهدف إلى تحدي المنظورات الجغرافية التقليدية.

إن النقاش حول دقة خرائط العالم ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو انعكاس لكيفية إدراكنا للعالم وتأثير ذلك على فهمنا للعلاقات الدولية والاقتصادية. وبينما تسعى الأمم المتحدة لتصحيح التصورات الخاطئة، يبقى التحدي قائمًا في إيجاد خريطة واحدة يمكنها أن تجمع بين الدقة في المساحة والشكل والمسافة والاتجاه في آن واحد.


للمزيد من الأخبار، زوروا

موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *