المجال الجوي الروسي، الطائرات المسيرة الأوكرانية، أمن الطيران، تداعيات الحرب، شركات الطيران العالمية
منوعات

تأثير الطائرات المسيرة الأوكرانية على المجال الجوي الروسي: تداعيات محتملة على قطاع الطيران العالمي

حصة
حصة

في تطور لافت يُعيد تشكيل ديناميكيات الحرب في أوكرانيا وتداعياتها العالمية، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن المجال الجوي الروسي أصبح “مغلقاً فعلياً” بسبب كثافة الطائرات المسيرة الأوكرانية. هذا التصريح، الذي جاء يوم الثلاثاء الموافق 2 سبتمبر 2026، يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الملاحة الجوية فوق أكبر دولة في العالم وتأثير ذلك على شركات الطيران العالمية.

تصريحات الرئيس الأوكراني وتصنيفها

أكد الرئيس زيلينسكي أن روسيا، التي بدأت غزو أوكرانيا في فبراير 2022، “تغلق الآن سماءها بنفسها”. وعلى الرغم من أن كييف لا تستهدف الطيران المدني بشكل مباشر، إلا أن زيلينسكي شدد على ضرورة أن تأخذ شركات الطيران وشركات التأمين “إشعاراً كافياً” بوجود الطائرات المسيرة في الأجواء الروسية. في المقابل، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تصريحات زيلينسكي بأنها “إعلان إرهاب دولة”.

تأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد استخدام أوكرانيا للطائرات المسيرة لاستهداف البنية التحتية الروسية، بما في ذلك منشآت النفط والموانئ ومستودعات التجارة الإلكترونية، وذلك رداً على تكثيف روسيا لهجماتها بالصواريخ الباليستية. وقد أشار زيلينسكي في خطابه الليلي يوم الثلاثاء إلى أن “السماء فوق روسيا أصبحت الآن للطائرات المسيرة… طالما استمرت الحرب”، مؤكداً أن “الأيام الآمنة في الأجواء الروسية قد ولت”.

مدى التهديد الذي تشكله الطائرات المسيرة الأوكرانية

لقد أحدثت الطائرات المسيرة غير المأهولة، التي تنتجها أوكرانيا الآن بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة، تحولاً جذرياً في مسار الحرب. فقد مكنت كييف من نقل المعركة مئات الكيلومترات خلف خطوط المواجهة، لتصل بشكل متزايد إلى المدن الروسية الكبرى. يرى المحللون أن مدى وصول هذه الطائرات أصبح مصدر قلق أكبر من الأضرار التي يمكن أن تلحقها، خاصة وأنها تتداخل مع حركة الطيران المدني داخل روسيا، بما في ذلك حول موسكو.

شهدت تكنولوجيا الطائرات المسيرة الأوكرانية تطوراً هائلاً منذ بداية الحرب، مما أدى إلى زيادة نطاقها بشكل كبير. فوفقاً لكييف، ارتفع مدى ضرباتها العمقية من حوالي 630 كيلومتراً (390 ميلاً) في عام 2022 إلى 1750 كيلومتراً (1090 ميلاً) هذا العام، مع وصول الطائرات المسيرة إلى أهداف بعيدة مثل أومسك، على بعد حوالي 2500 كيلومتر (1550 ميلاً) من أوكرانيا.

عندما تقترب هذه الطائرات من المدن الروسية، فإنها تفرض قيوداً مؤقتة على المجال الجوي، مما يؤدي إلى توقف الرحلات الجوية في المطارات لعدة ساعات حتى يزول التهديد. وقد أدت الإنذارات المتكررة للطائرات المسيرة إلى إغلاقات مؤقتة للمطارات الروسية، مما يثير قلقاً متزايداً لدى شركات الطيران التي تحلق عبر المجال الجوي الروسي.

في هذا السياق، صرح مارك بريس، رئيس قسم التحليل في شركة “أوسبري فلايت سوليوشنز” للاستشارات في مجال مخاطر الطيران، بأن “أوكرانيا تطلق باستمرار أكثر من 500 طائرة مسيرة يومياً، مع تجاوز عدة أيام 1000 طائرة مسيرة، وفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية”. وأضاف بريس لـ “الجزيرة” أن هذا أدى إلى إغلاقات متكررة وممتدة للمطارات وتعليق الرحلات الجوية، مشيراً إلى أن “زيلينسكي يعلن علناً ما تفعله أوكرانيا منذ أشهر: تعطيل المجال الجوي الروسي بشكل منهجي”.

وفقاً لبيانات “أوسبري”، بلغ متوسط إغلاقات المطارات الروسية 30 إغلاقاً يومياً منذ بداية الحرب. وقد حذرت الشركة عملاءها من أن الهجمات اليومية بالطائرات المسيرة والصواريخ، وإن كانت تتركز في الغالب ضمن 300 كيلومتر (186 ميلاً) من الحدود، فمن المرجح أن تستمر في عمق روسيا طوال عام 2026، بما في ذلك بالقرب من موسكو وسانت بطرسبرغ. كما أشارت الشركة إلى أن “سوء التقدير و/أو سوء التحديد محتمل في المناطق المتعلقة بالصراع الأوكراني”. وتجدر الإشارة إلى حادثة عام 2024 التي ذكرها بوتين، حيث انفجر صاروخان روسيان بالقرب من طائرة تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية بعد دخول طائرات مسيرة أوكرانية المجال الجوي الروسي، مما أسفر عن مقتل 38 شخصاً.

تأثير ذلك على شركات الطيران والمسافرين

يُعد المجال الجوي الروسي “التشوه الهيكلي الأكبر في قطاع الطيران العالمي”، بحسب أليكس ماتشيراس، المحلل المقيم في الشرق الأوسط. قبل فبراير 2022، كان التحليق فوق روسيا هو المسار الأقصر بين أوروبا وشمال شرق آسيا، حيث كانت أكثر من 360 ألف رحلة جوية سنوياً تمر فوق سيبيريا. لكن منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، تجنبت العديد من شركات الطيران الأوروبية والأمريكية هذا المسار.

نتيجة لذلك، أصبحت العديد من الرحلات الجوية بين أوروبا وشمال شرق آسيا تستغرق الآن ساعتين إلى أربع ساعات إضافية. على سبيل المثال، زادت مدة الرحلة بين هلسنكي وطوكيو من تسع ساعات إلى 13 ساعة. وأوضح ماتشيراس أن هذه التكاليف الإضافية “أصبحت الآن عاملاً محسوباً ضمن أسعار التذاكر، والنفقات التشغيلية، وجداول طواقم الطيران، واستخدام الطائرات عبر شبكة الرحلات الطويلة الأوروبية بأكملها”.

على الرغم من الحرب المستمرة، واصلت بعض شركات الطيران الكبرى من دول مثل الصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى استخدام المجال الجوي الروسي. وقد اشتكت شركات الطيران الأمريكية من أن الناقلات التي لا تزال مسموحاً لها بالتحليق عبر المجال الجوي الروسي، مثل الخطوط الجوية الصينية، تتمتع بميزة تنافسية بفضل المسارات الأقصر وتكاليف التشغيل المنخفضة. وفي حال إغلاق المجال الجوي الروسي أمام هذه الشركات، فإن هذه الميزة التنافسية ستختفي.

حالياً، تقدم شركات الطيران الصينية أسرع الروابط بين أوروبا وآسيا والعكس، بفضل احتفاظها بحقوق التحليق فوق روسيا. وأشار ماتشيراس إلى أنه “إذا فقدت هذه الشركات هذه الحقوق، فإن ميزتها الزمنية على محاور الخليج والخطوط التركية ستتقلص بشكل حاد”. في غضون ذلك، بنت الخطوط الجوية التركية “قيمة استراتيجية حقيقية من وصولها المحايد إلى المجال الجوي الروسي، مما وضع إسطنبول كنقطة اتصال طبيعية لحركة المرور التي لم تعد شركات الطيران الغربية قادرة على توجيهها مباشرة”. وأضاف أن شركات الطيران الهندية – الخطوط الجوية الهندية على وجه الخصوص – تعتمد أيضاً على المجال الجوي الروسي لرحلات دلهي-لندن ودلهي-نيويورك الفعالة.

من ناحية أخرى، يرى المحلل أن شركات الطيران الخليجية، من مطارات الدوحة ودبي وأبوظبي، لا تعتمد على المجال الجوي الروسي بنفس القدر الذي تعتمد عليه إسطنبول. وأضاف أن “إغلاقاً أوسع من شأنه أن يعزز نموذج المحور الخليجي، بدلاً من إلحاق الضرر به، حيث يتم دفع حركة المرور الطويلة المدى إلى الجنوب عبر الخليج بدلاً من ممر القوقاز”.

ضغوط إضافية على قطاع الطيران

شهد قطاع الطيران خلال العامين الماضيين ضغوطاً متزايدة جراء الصراعات في الشرق الأوسط، مما فاقم الاضطرابات الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية. وأفاد بريس من “أوسبري فلايت سوليوشنز” لـ “الجزيرة” أن “المسارات البديلة عبر القوقاز وآسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأوسط/البحر الأحمر/المملكة العربية السعودية/الخليج تعاني بالفعل من الازدحام بسبب عدم توفر المجال الجوي الروسي والصراع المستمر في منطقة الخليج”.

كما فاقمت عوامل إقليمية أخرى، مثل القيود المفروضة على شركات الطيران الهندية من استخدام المجال الجوي الباكستاني بسبب التوترات الثنائية في جنوب آسيا، هذا الازدحام، مما يزيد من تعقيد المشهد أمام شركات الطيران العالمية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *