وفود مشاركة تجتمع في منتجع بورغنشتوك بسويسرا قبيل المحادثات الأمريكية الإيرانية.
السياسة

مفاوضات إيران والتحولات الإقليمية: قراءة في المشهد المعقد

حصة
حصة
Pinterest Hidden

نرحب بكم مجددًا في نشرتنا الأسبوعية، التي تستعرض أبرز التطورات في الشرق الأوسط وواشنطن. لم يعد بوسع واشنطن وطهران الاتفاق حتى على طبيعة تواصلهما، فبينما يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وجود “مفاوضات جزئية”، تنفي إيران أي محادثات رسمية. هذا الأسبوع، نسعى لتوضيح هذا الغموض الدبلوماسي، ونسلط الضوء على الأصوات المؤثرة في صياغة السياسة الأمريكية تجاه إيران، وجهود طهران لإعادة بناء دفاعاتها الجوية بدعم صيني وروسي. بعيدًا عن الملف الإيراني، يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تحولات هادئة لكنها عميقة، حيث تعيد واشنطن تقييم معايير شراكاتها العربية، وتعلن السعودية وتركيا وباكستان عن إطار دفاعي جديد، بينما يواجه مسار السلام في لبنان تحديات واقعية. ساهم في إعداد هذا العدد من أجندة MBN كل من جو الخولي، ليو غولدبرغ، دالشاد حسين، أبيغيل جورج، وسكينة عبد الله.

واشنطن وطهران: مفاوضات أم تبادل رسائل؟

لا تزال واشنطن وطهران تتبادلان الرسائل، لكن اللافت هو تزايد علنية هذه الرسائل بدلًا من قنوات التواصل السرية. أكد الرئيس دونالد ترامب لموقع “أكسيوس” أن الولايات المتحدة تخوض “مفاوضات جزئية” مع إيران، واصفًا المواجهة بأنها “لعبة شطرنج” تُدار “بهدوء ومن دون ضجيج”. وقد ألمح مستشاروه، مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى قرب التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز.

في المقابل، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة “إكس” وجود مفاوضات مباشرة، مؤكدًا أنها مجرد “تبادل للرسائل” وأن “الوسطاء ما زالوا يحاولون تهيئة الأرضية لاستئناف المفاوضات”.

لا يزال مضيق هرمز مغلقًا أمام السفن غير المصرح لها، حيث نشرت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 20 سفينة حربية لفرض الحصار، وحولت مسار 55 سفينة تجارية.

وكشف مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية لـ “الحرة” أن قناة التواصل العُمانية لا تزال نشطة، وأن المناقشات الفنية أسفرت عن مقترحات محددة لمسارات العبور، بحيث تمر السفن الداخلة عبر المياه الإيرانية، بينما تسلك السفن المغادرة المياه العُمانية. وأوضح المسؤول أن “المفاوضات الجزئية تتيح لواشنطن مواصلة الانخراط الدبلوماسي دون الإعلان عن جلوسها وجهًا لوجه مع طهران للتفاوض بشأن تنازلات”، مضيفًا أنها “تتيح استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية، في انتظار معرفة ما إذا كان موقف طهران سيتغير”. وأكد أن تسلسل الخطوات واضح: “بمجرد إعلان الاتفاق، سترفع الولايات المتحدة الحصار. وستكون خطواتنا مرتبطة بتنفيذ إيران لالتزاماتها. هذا هو المبدأ الذي وجّه هذه الإدارة منذ اليوم الأول”.

لدى الطرفين دوافع للتفاوض، وأسباب لتجنب الظهور بمظهر المتلهف، وهو ما يفسر طبيعة هذه “المفاوضات الجزئية”.

اقتباس اليوم:

“نحن لا نجري معهم سوى مفاوضات جزئية. نحن فقط نراقب إيران في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه، وحقيقة أنه لا أموال لديها.” – الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حديث إلى «أكسيوس» عن المحادثات مع إيران.

كواليس واشنطن: الأصوات المؤثرة في السياسة الإيرانية

قد تعكس الرسائل المتباينة الصادرة من واشنطن بشأن إيران، جزئيًا، اختلاف التوجهات داخل الدائرة المقربة من مستشاري الرئيس ترامب. ففي حين دفع نائب الرئيس جيه دي فانس باتجاه الدبلوماسية وحذر من انخراط عسكري أعمق، تبنى وزير الخارجية ماركو روبيو موقفًا أكثر تشدداً، بدعم من وزير الدفاع بيت هيغسيث والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.

ازداد هذا التباين وضوحًا مع تعثر المحادثات، حيث انتقد فانس من وصفهم بـ “الصقور” الذين حاولوا إفشال مذكرة التفاهم مع إيران الموقعة في 17 يونيو، وأفادت تقارير بأنه نصح ترامب بعدم شن ضربات جديدة. في المقابل، حذر روبيو طهران من أن سياسة ترامب تقوم على مبدأ “رأس مقابل عين”، وأن إيران “ستدفع ثمنًا باهظًا جدًا” إذا شنت مزيدًا من الهجمات.

لكن القرار النهائي يبقى بيد ترامب. وقال جون كالابريسي، من معهد الشرق الأوسط، لـ “الحرة” إن ترامب يقدّر الاستماع إلى آراء متنافسة، لكنه يثق بحدسه أكثر من ثقته بمن حوله. لذلك، تبدو سياسة إيران أقرب إلى التأرجح بين ضبط النفس والتصعيد منها إلى عقيدة ثابتة، ويمكن أن يتغير اتجاهها كلما غيّر ترامب موقفه.

طهران تستعد: تعزيز الدفاعات الجوية بمنظومات صينية وروسية

بينما تناقش إدارة ترامب خيارات الحوار أو المواجهة، تستعد طهران للخيار الثاني. أفادت مصادر إيرانية معارضة لـ “الحرة” أن إيران تسلمت مئات من منظومات الدفاع الجوي الصينية والروسية المحمولة على الكتف خلال فترات وقف إطلاق النار الأخيرة. تأتي هذه الخطوة في إطار جهود طهران لإعادة بناء مخزون الأسلحة الذي تضرر خلال الحرب.

وبحسب المصادر، تشمل الشحنات منظومات QW-12 وFN-16 الصينية وصواريخ “فيربا” الروسية. ويجري نشر هذه المنظومات حول مواقع عسكرية ومدن وموانئ ومناطق حدودية، كما نُقل بعضها إلى جماعات متحالفة مع إيران في العراق. لم تتمكن “الحرة” من التحقق بصورة مستقلة من عمليات التسليم هذه، التي لم تعلن عنها طهران أو بكين أو موسكو.

من غير المرجح أن تقوض هذه الأسلحة التفوق الجوي الأمريكي بشكل كامل، لكنها قد تجعل العمليات على ارتفاعات منخفضة أكثر خطورة، وتمنح طهران فرصة لتحقيق مكسب دعائي كبير. وقال المحلل عامر السبايلة لـ “الحرة”: “إسقاط طائرة أمريكية واحدة قد يمنح إيران انتصارًا دعائيًا، لكنه لن يغير ميزان القوى في الأجواء الإيرانية.”

تحولات في المشهد الإقليمي: واشنطن تعيد صياغة قواعد الشراكة

تعيد واشنطن النظر في طريقة تقييمها لشركائها العرب. فبعد عقود كانت فيها خطوات الاعتراف بإسرائيل غالبًا ثمنًا لتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة، يتبلور الآن نموذج أكثر ارتباطًا بالمصالح المباشرة. باتت عوامل مثل الاستثمار، أمن الطاقة، الوصول إلى الممرات البحرية، وقدرة الدولة تكتسب أهمية متزايدة في حد ذاتها.

ويُعد اتفاق 22 يوليو، الذي يقضي بتزويد الولايات المتحدة الرياض بتكنولوجيا للطاقة النووية، أوضح مثال على هذا التحول. ورغم أن ترامب ربط الاتفاق لاحقًا بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام، فإن التطبيع لم يُدرج في نص الاتفاق نفسه. ووصف المحلل عبد العزيز الخميس هذا التحول لـ “الحرة” بأنه نقل التطبيع مع إسرائيل “من شرط مسبق إلى فاتورة”، أي إلى مطلب يمكن لواشنطن طرحه بعد أن يكون التعاون قد بدأ بالفعل.

يظهر المنطق نفسه في سوريا ولبنان، حيث تركز السياسة الأمريكية حاليًا على مكافحة الإرهاب والسيطرة على الجماعات المسلحة أكثر من تركيزها على السلام مع إسرائيل. يمنح هذا التحول الحكومات العربية سبلًا أكثر لإثبات أهميتها لواشنطن، لكنه يجعل العلاقات أيضًا أقل قابلية للتنبؤ، إذ بات موقع الشركاء يتقدم أو يتراجع تبعًا للهدف الاستراتيجي الأمريكي الأكثر أهمية في لحظته.

تحت المجهر: مصر خارج الاتفاق الدفاعي في مكة

وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا جديدًا للدفاع المشترك في مكة، يتعهد بموجبه الدول الثلاث باعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجومًا عليها جميعًا. كان الغائب الأبرز عن هذا الاتفاق مصر، على الرغم من مشاركتها لأشهر في محادثات أمنية رباعية مع الدول الثلاث الأخرى بشأن الصراع الأمريكي الإيراني وعدم الاستقرار الإقليمي.

لم تقدم القاهرة تفسيرًا علنيًا لغيابها، كما لا توجد أدلة على أنها تلقت دعوة رسمية للانضمام. وقال محللون لـ “الحرة” إن غياب مصر قد يعود إلى القيود الدستورية المفروضة على نشر قواتها العسكرية في الخارج، وتفضيلها الترتيبات الأمنية الثنائية، واستمرار انخراطها الدبلوماسي مع إيران. ومع ذلك، يضيف الاتفاق مستوى جديدًا ومهمًا إلى منظومة الردع الإقليمي، إذ يجمع السعودية وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان في تحالف دفاعي استراتيجي.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *