قدم الدكتور عبد الفتاح نعوم، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض، قراءة تحليلية معمقة لأحداث سبتة الأخيرة. سعى نعوم، من خلال تحليله المنشور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، إلى تفكيك الروايات المتداولة حول موجة الاقتحام الجماعي للمدينة، مؤكداً أن التركيز على البحث عن “المستفيد” أو اختزال ما جرى في مؤامرة خارجية، يحجب المحركات الفعلية للأزمة. وقد حدد هذه المحركات في قرارات حكومة بيدرو سانشيز، والهشاشة الاجتماعية والنفسية للمهاجرين، بالإضافة إلى التأثير المتزايد للفضاء الرقمي والإعلامي في صناعة السلوك الجماعي.
جذور الأزمة: قرارات الحكومة الإسبانية
يرى الدكتور نعوم أن جذور الأزمة تعود، بالدرجة الأولى، إلى قرارات اتخذتها الحكومة الإسبانية نفسها. ويشير تحديداً إلى المرسوم الملكي رقم 316/2026 الصادر في 14 أبريل، والذي عدّل المرسوم 1155/2024 المتعلق بتطبيق قانون حقوق وحريات الأجانب واندماجهم الاجتماعي. هذا المرسوم أتاح للأشخاص الموجودين في إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، سواء كانوا طالبي حماية دولية أو في وضعية غير نظامية، الاستفادة من تصريح إقامة مؤقت في أفق معالجة ملفاتهم، مع منحهم مهلة لتقديم الطلبات إلى غاية 30 يونيو الماضي.
وقدّر الباحث أن الحكومة الإسبانية توقعت في البداية استفادة نحو 500 ألف شخص من هذا الإجراء، لكنها فوجئت بتلقيها 1,174,978 طلباً، عالجت منها 609,737 ملفاً. تزامنت هذه التطورات مع صدور حكم قضائي إسباني رفع قيود الإعادة الفورية عن المهاجرين غير النظاميين الذين يدخلون إلى إسبانيا عبر البحر، وهي عوامل اعتبرها نعوم جزءاً أساسياً من السياق الذي سبق أحداث سبتة.
دور الإعلام والفضاء الرقمي في تأجيج الأزمة
وفقاً للتحليل، تزامنت هذه التطورات مع حملة إعلامية إسبانية مكثفة ركزت على قصص نجاح المهاجرين. كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري انتشاراً كثيفاً لمحتويات تدعو إلى الهجرة السرية، شملت مغاربة وجزائريين. وقد ساهم هذا المناخ في خلق بيئة نفسية واجتماعية قابلة للاشتعال، قبل أن تحاول الحكومة الإسبانية لاحقاً اختزال الظاهرة في استغلال شبكات الاتجار بالبشر لحكم قضائي أو لمضامين مضللة على الإنترنت.
في هذا السياق، يرفض نعوم القفز مباشرة إلى روايات “المؤامرة”، سواء تلك التي تتحدث عن مخطط أمريكي إسرائيلي يستهدف سانشيز بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية، أو روايات أخرى عن اختراق استخباراتي مغربي للمدينة. ويعتبر أن هذه التفسيرات تتجاهل تسلسل الأحداث والعوامل الواضحة، وتقدم للعقل “تفسيراً جاهزاً” يعفيه من البحث في الأسباب الفعلية.
البعد السوسيولوجي والنفسي وسلوك الحشود
يضع الباحث ضمن الأسباب الرئيسية ما يسميه البعد السوسيولوجي والنفسي لسلوك الحشود، موضحاً أن الإشاعة قادرة على خلق ما يشبه “عدوى القطيع”. فبمجرد اعتقاد الناس أن فرصة العبور أصبحت متاحة، يتقاطرون بسرعة، وتتراجع حسابات المخاطر أمام اندفاعة جماعية تتجاوز أحياناً الحدود والقوانين. وتزداد خطورة هذه الآلية عندما تجد بيئة اجتماعية تتسم بالفقر والبطالة والهشاشة، وهي الظروف التي تجعل الشباب الحالم بحياة أفضل عرضة للاستغلال من طرف شبكات الجريمة والاتجار بالبشر، ثم للاستغلال السياسي والإعلامي من أطراف أخرى ترسم من مأساتهم صورة معينة عن المغرب.
الفضاء الرقمي: عامل مؤثر يتجاوز قدرة الضبط
يلفت نعوم إلى أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل السلوك الجماعي، خصوصاً في ظل ما يعرف بـ”اقتصاد جذب الانتباه”. ففيه تتحكم رؤوس الأموال والمنصات في آليات انتشار المحتوى، مما يجعل سرعة انتشار الشائعة والصورة والفيديو قادرة على تجاوز قدرة الدولة على الضبط والتدخل. ويعتبر أن تجاهل هذا العامل يدفع تلقائياً نحو تفسيرات تبسيطية تبحث عن “فاعل خارجي” واحد، بدلاً من النظر إلى تداخل ثلاثة عوامل أساسية: مسؤولية الحكومة الإسبانية، والدوافع الاجتماعية والنفسية للمقتحمين، وتأثير الفضاء الرقمي.
ويستدل الباحث على ذلك بالدور الذي لعبته بعض وسائل الإعلام الإسبانية في تضخيم مشاهد العبور، مشيراً إلى بث قناة FARO TV، يوم 28 يوليوز، شريطاً لفتاتين، من بينهما فتاة تدعى فرح، نجحتا في الوصول إلى سبتة سباحة، تجاوزت مشاهداته مليوني مشاهدة خلال فترة وجيزة. وتكررت مضامين مشابهة في نشرات وطنية لقنوات ANTENA 3 MEDIASET خلال أيام 28 و29 و30 يوليوز. ويرى نعوم أن هذه التغطية تزامنت مع نشاط مكثف لصفحات ومجموعات على شبكات التواصل كانت تنسق لعملية الاقتحام، بينها صفحات أنشئت بواسطة أرقام هواتف جزائرية، مما ساهم في تضخيم كرة الثلج.
المسؤولية السياسية وموقف المغرب
يحمل نعوم الحكومة الإسبانية مسؤولية سياسية واضحة، معتبراً أن محاولتها إحالة المسؤولية إلى القضاء أو شبكات الهجرة السرية أو الفضاء الرقمي لا تلغي دور القرارات الحكومية التي سبقت الحدث. كما ينتقد محاولة بعض الأصوات الإسبانية نقل المسؤولية إلى المغرب، متوقفاً عند معطيات مرتبطة بيوم الاقتحام، من بينها فتح بوابة سبتة في أكثر من مناسبة وشبه غياب الحواجز الأمنية. ويعتبر أن البحث عن طرف لتحميله مسؤولية الأزمة ينبغي ألا يقود إلى المغرب الذي، بحسب قراءته، اكتفى بتصريحين صادرين عن “مصدر حكومي” لإيصال رسالة مفادها أنه ليس طرفاً في الأزمة وليس حارساً لحدود إسبانيا.
البعد الأمني والحقوقي
يتوقف أستاذ العلاقات الدولية عند البعد الأمني والحقوقي للحدث، معتبراً أنه شكّل اختباراً بالغ الحساسية للأمن المغربي والإسباني، خصوصاً في كيفية التعامل مع حشود غير مسبوقة بأقل كلفة ممكنة من الناحية الحقوقية والإنسانية. ويشدد على أن فقدان حياة إنسان واحد أو تعرضه لضرر جسدي أو نفسي أمر بالغ الخطورة، لكنه يدعو في المقابل إلى تصور سيناريوهات أكثر مأساوية لو تم اللجوء إلى تدخل أمني أشد، سواء من الجانب المغربي في منطقة قريبة من منشآت وأجواء احتفالات وطنية، أو من الجانب الإسباني داخل الأسوار، معتبراً أن النتائج التي تم تسجيلها كان يمكن أن تكون أكثر قسوة بكثير.
الآثار الاستراتيجية ومستقبل سبتة ومليلية
لا يرى نعوم أن أزمة سبتة انتهت عند حدود ملف الهجرة، بل يعتبر أنها فتحت مجدداً سؤالاً استراتيجياً حول مستقبل سبتة ومليلية وطبيعة العلاقة المغربية الإسبانية. وفي هذا الصدد، يتوقف عند دفاع سانشيز أمام خصومه من اليمين الأوروبي عن وضع المدينتين، قائلاً إنهما لا تشملهم فعلياً منظومة شنغن. وهي النقطة التي يرى الباحث أنها تطرح مفارقة حول طبيعة “السيادة” الإسبانية على مدينتين لا تندمجان بالكامل في الفضاء الأوروبي الذي تستند إليه مدريد في تبرير وضعهما.
ويشير نعوم أيضاً إلى أن الخطاب المغربي الرسمي تعامل مع المدينتين خلال الأزمة بعبارات دقيقة، بعدما تحدثت وزارة الداخلية عن “مدينتي سبتة ومليلية” دون وصفهما بالمحتلتين أو المغربيتين أو الإسبانيتين. كما تحدثت عن خطاب شبكات الاتجار بالبشر باعتباره إيهاماً بإمكانية الولوج بسهولة إلى “الفضاء الأوروبي”، في إشارة إلى الإشكال المرتبط بالوضع الخاص للمدينتين وعلاقتهما بالفضاء الأوروبي. وبحسب الباحث، فإن الوجود الإسباني في المدينتين والجزر القريبة من المغرب بدأ يتحول تدريجياً من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي على مدريد، خصوصاً كلما جرى توظيفه سياسياً أو انتخابياً ضد المغرب، إذ يمكن أن يتحول الوضع نفسه إلى أداة تستخدمها أطراف ودول أخرى في صراعاتها مع إسبانيا. ويعتبر أن ما حدث في سبتة يمثل دليلاً جديداً على أن محاولة توظيف هذا الملف في الصراع السياسي الداخلي الإسباني أو في مواجهة المغرب قد تنتهي بنتائج عكسية.
نحو حلول مستدامة
في أفق أبعد، يرى نعوم أن استمرار الأزمة الحدودية والهجرية بين ضفتي المتوسط يفرض البحث عن حلول سياسية وقانونية واقتصادية تتجاوز منطق الحراسة الأمنية للحدود. ويستحضر تجربة هونغ كونغ بين بريطانيا والصين كنموذج تاريخي لتسوية نزاع معقد عبر التفاهم التدريجي والضمانات السياسية والقانونية، معتبراً أن معالجة وضع سبتة ومليلية يمكن أن تدخل مستقبلاً ضمن مقاربة عقلانية وبراغماتية تقوم على التفاهمات والمصالح المشتركة. ويخلص الباحث إلى أن الجغرافيا المشتركة بين المغرب وإسبانيا تجعل استمرار الوضع القائم قابلاً لإنتاج أزمات متكررة، وأن الحل النهائي لن يكون أمنياً فقط، بل يحتاج إلى تفاهمات سياسية وقانونية ومشاريع اقتصادية وتدابير مغربية وأوروبية مشتركة لمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة للهجرة، لأن استمرار الفقر والبطالة والهشاشة في الجنوب سيبقي ملايين الشباب عرضة لشبكات الاتجار بالبشر ولخطاب الهجرة غير النظامية، وسيجعل أي ظرف استثنائي أو موجة رقمية جديدة قادرة على إعادة إنتاج سيناريو سبتة من جديد.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق