أعادت الضربات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت مواقع تضم قوات أميركية في الأردن، ومن أبرزها موقع “تاور 22” الذي شهد مقتل ثلاثة جنود أميركيين في يناير 2024، فتح نقاش سياسي وأمني واسع داخل المملكة. يدور هذا النقاش حول مستقبل الاستراتيجية الأمنية الأردنية، وحدود الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
لطالما اعتمد الأردن على شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، التي توفر له دعماً عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً حيوياً. إلا أن استهداف منشآت تستضيف قوات أميركية أثار تساؤلات جدية بشأن كلفة هذه الشراكة، ومدى قدرة عمّان على النأي بنفسها عن المواجهة المتنامية بين واشنطن وطهران.
الأردن وموقعه في الصراع الإقليمي
يؤكد النائب السابق لرئيس الوزراء الأردني، جواد العناني، أن الأردن “ليس طرفاً في الحرب الدائرة مع إيران”، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع الانفصال عن حلفائه والدول الداعمة له. من جانبه، يرى أستاذ القانون الدولي والباحث في العلاقات الدولية، عامر فاخوري، أن السياسة الأردنية ترتكز على الحفاظ على التحالف مع واشنطن، مع التأكيد المستمر على أن الأراضي الأردنية “ليست ساحة لشن الحروب على دول المنطقة”.
تفاصيل الوجود العسكري الأميركي
تستند أطر التعاون العسكري بين عمّان وواشنطن إلى اتفاقية الدفاع الموقعة عام 2021. هذه الاتفاقية تمنح القوات الأميركية صلاحية استخدام منشآت أردنية لأغراض متعددة تشمل التدريب، الدعم اللوجستي، التمركز، والعمليات المرتبطة بالتعاون الدفاعي. ووفقاً لتقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس مطلع عام 2026، يستضيف الأردن نحو أربعة آلاف عسكري أميركي موزعين على عدة مواقع استراتيجية.
من أبرز هذه المواقع قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، والتي تُستخدم في العمليات الجوية والدعم اللوجستي، بالإضافة إلى موقع “تاور 22” قرب الحدود مع سوريا والعراق. تستغل القوات الأميركية هذه المنشآت في مهام المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن دعم عملياتها في سوريا والعراق والمنطقة الأوسع.
تساؤلات حول الكلفة الأمنية
دفعت الهجمات الأخيرة منتقدي الوجود الأميركي إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المنشآت توفر حماية للأردن أم أنها تجعله هدفاً محتملاً في صراعات لا تخصه مباشرة. وقد وقّعت مئات الشخصيات السياسية والأكاديمية والنقابية والعشائرية وثيقة تطالب بإلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي أو تقييدها وإخراج القوات الأجنبية من البلاد.
وفي هذا السياق، صرح الخبير الأمني والاستراتيجي حسن أبو هنية لـ”الحرة” بأن الاتفاقية كان من المفترض أن توفر “مظلة حماية للمملكة”، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن المنشآت الأميركية قد تجلب معها مخاطر أمنية جديدة. ومع ذلك، استبعد أبو هنية أن تتجه عمّان نحو إنهاء الوجود الأميركي، نظراً لاعتماد الأردن الكبير على الدعم الذي تقدمه واشنطن، وتعقيدات البيئة الإقليمية المحيطة، وطبيعة العلاقة التاريخية الراسخة بين البلدين.
عمّان ترفض وصف “القواعد” وتؤكد السيادة
ترفض السلطات الأردنية بشكل قاطع وصف المنشآت التي تستخدمها القوات الأميركية بأنها “قواعد” تنتقص من سيادة المملكة. وأوضح عضو مجلس الأعيان عمر عياصرة لـ”الحرة” أن الوجود الأميركي يندرج ضمن إطار تعاون أمني وعسكري معلن وشفاف بين البلدين. يتوافق هذا الموقف مع تصريحات سابقة لوزير الخارجية أيمن الصفدي، الذي أكد أن تبرير إيران لاستهداف الأردن بوجود قواعد أميركية هو “باطل”، وأن القوات الأميركية تعمل بموجب اتفاقية دفاعية طويلة الأمد، مع التأكيد على أن الأراضي والمنشآت تظل خاضعة للسيادة الأردنية الكاملة.
وأضاف عياصرة أن العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة تأسست على مواجهة تحديات مشتركة، مثل الإرهاب وتنظيم داعش، ولا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية. كما أشار إلى أن هذه الشراكة تتيح للأردن العمل مع واشنطن في ملفات إقليمية حساسة، بما في ذلك القضية الفلسطينية.
دعم اقتصادي وعسكري لا غنى عنه
لا يقتصر اعتماد الأردن على الولايات المتحدة على الجانب العسكري فحسب، فواشنطن تُعد واحدة من أكبر الجهات المانحة للمملكة. تتراوح مساعداتها السنوية بين 1.5 و2.1 مليار دولار، وتشمل دعماً اقتصادياً وتمويلاً عسكرياً. وقد وقعت الدولتان مؤخراً اتفاقية مساعدات تمتد لأربع سنوات، تلتزم واشنطن بموجبها بتقديم نحو 354.6 مليون دولار سنوياً لدعم التجارة والاستثمار وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية.
ويرى حسن أبو هنية أن حجم هذه المساعدات يحد بشكل كبير من الخيارات المتاحة أمام عمّان، ويجعل إنهاء الشراكة قراراً بالغ الصعوبة. وحذر جواد العناني من الاستجابة للدعوات الشعبية لقطع العلاقات مع واشنطن، معتبراً أن الأردن يتبع “براغماتية سياسية” تقوم على الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وخاصة دول الخليج. وأكد أن التخلي عن هذه العلاقات تحت ضغط الشارع قد يفرض على الدولة كلفة باهظة لا تستطيع تحملها.
مراجعة لا قطيعة: المسار المحتمل
برزت أهمية الأردن في الاستراتيجية العسكرية الأميركية بشكل أكبر مع تصاعد المواجهة مع إيران. وقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين أن الجيش الأميركي قام بنقل جزء من قواته، قبل الحرب وأثناء بدايتها، من دول خليجية إلى مواقع في الأردن وإسرائيل، لاعتبارها أكثر أمناً. إلا أن استهداف مواقع داخل الأردن أظهر أن إعادة التموضع هذه لم تعزل المملكة عن تداعيات الصراع.
يعتقد عامر فاخوري أن المسار الأكثر ترجيحاً هو “إعادة ضبط” الشراكة الأمنية، وليس إنهاءها بشكل كامل. يمكن أن يتم ذلك عبر مراجعة دقيقة لانتشار القوات وطبيعة الأنشطة العسكرية المنفذة من الأراضي الأردنية. ويشير إلى أن القيادة الأردنية تنظر إلى التعاون مع الولايات المتحدة كجزء لا يتجزأ من منظومة حماية الدولة، خاصة في ظل الحدود الطويلة للمملكة مع سوريا والعراق وما يرافقها من مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهريب الأسلحة والمخدرات ونشاط الجماعات المسلحة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية تدل على أن عمّان تتجه نحو تغيير جذري في استراتيجيتها أو إنهاء الاتفاقية الدفاعية. والأرجح أن تراجع آليات التعاون مع واشنطن بهدف تقليل المخاطر المحتملة، مع الاحتفاظ بالمزايا الأمنية والاقتصادية التي توفرها هذه الشراكة. وختاماً، أكد عمر عياصرة أن الحرب الأميركية الإيرانية قد تدفع دولاً أخرى في المنطقة إلى مراجعة علاقاتها العسكرية مع القوى الخارجية، لكنه شدد على أن الأردن سيواصل نهجه القائم على خفض التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية السلمية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق