شهدت منطقة الخليج تصعيدًا خطيرًا في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تبادلت القوتان ضربات عسكرية واسعة النطاق، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي. يأتي هذا التصعيد في ظل تحذيرات أمريكية متزايدة من الرئيس دونالد ترامب، وردود إيرانية حازمة تهدد بتدمير البنى التحتية الحيوية في المنطقة.
تصعيد متصاعد في الخليج: واشنطن وطهران تتبادلان الضربات
توسعت رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بشكل ملحوظ عقب سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية التي استهدفت عشرات المواقع داخل الأراضي الإيرانية، وأسفرت عن مقتل سبعة من أفراد الجيش الإيراني. في المقابل، ردت طهران بشن هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة على قواعد ومنشآت أمريكية في كل من الأردن والكويت والبحرين، وذلك في سياق صراع متواصل على النفوذ والسيطرة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
مضيق هرمز: نقطة اشتعال جديدة
تتركز بؤرة التوتر الحالية حول مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية. فقد أعادت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وهو الإجراء الذي كان قد رُفع بموجب مذكرة تفاهم سابقة تم التوصل إليها الشهر الماضي بهدف إنهاء حالة الحرب بين الطرفين. هذا التطور يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، ويهدد بتعطيل الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
تهديدات أمريكية ووعيد إيراني
على الصعيد السياسي، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته التحذيرية تجاه إيران، مهددًا باستهداف جسور ومحطات لتوليد الكهرباء إذا لم تستأنف طهران المحادثات الدبلوماسية الأسبوع المقبل. وعند سؤاله عما إذا كان سيمنح إيران مهلة زمنية، رفض ترامب تحديد ذلك، مشيرًا إلى أن الإيرانيين “يعرفون ما ينتظرهم” وعليهم “أن يحسنوا التصرف”. وفي وقت لاحق، صرح ترامب خلال قمة دفاعية بأن إيران “ليست سعيدة الآن” وأنها تسعى إلى تسوية، وأن واشنطن ستقرر ما إذا كانت ستقبل بذلك أو “تنهي الأمر”.
في رد حاسم، هددت طهران، يوم الخميس، باستهداف البنى التحتية في المنطقة بأكملها إذا ما نفذت الولايات المتحدة تهديداتها. وأكدت القيادة المشتركة للقوات المسلحة الإيرانية في بيانها أن “جميع البنى التحتية في المنطقة ستُدمَّر بضربات فولاذية من القوات المسلحة الإيرانية الجبارة، ولن يبقى لها أثر، وكأنها لم تكن موجودة”.
تداعيات إنسانية ومخاوف دولية
تثير هذه التهديدات المتبادلة مخاوف دولية واسعة، خاصة بعد أن كانت تهديدات سابقة أطلقها ترامب في أبريل/نيسان بقصف منشآت مدنية إيرانية قد أثارت انتقادات شديدة من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي اعتبر حينها أن تنفيذ مثل هذه التهديدات قد يرقى إلى مستوى جريمة حرب.
على الصعيد الإنساني، دوت صافرات الدفاع الجوي في طهران، وفقًا لوسائل إعلام رسمية، كما تم إخلاء مستشفى متخصص في علاج مرضى السرطان بمدينة الأهواز، حيث نُقل 211 مريضًا كانوا يتلقون العلاج الكيميائي، وذلك بسبب الضربات التي وقعت في محيط المستشفى. وقد ندد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بهذا الحادث واصفًا إياه بـ”الهجوم الأمريكي الهمجي”.
تفاصيل الضربات المتبادلة
الغارات الأمريكية على الأراضي الإيرانية
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قواتها نفذت موجتين من الضربات الجوية على إيران يوم الأربعاء. استمرت الموجة الأولى، التي بدأت صباح الأربعاء، حوالي 90 دقيقة، واستهدفت دفاعات ساحلية ومواقع صواريخ كروز في جزيرة طنب الكبرى. أما الموجة الثانية، التي بدأت مساء الأربعاء، فقد استهدفت مراكز قيادة ومواقع للدفاع الجوي وقدرات صاروخية وطائرات مسيرة ومنشآت للمراقبة الساحلية في عدة مناطق، بما في ذلك مدينة بندر عباس. وذكرت القيادة أن الهدف من هذه الضربات هو تقليص قدرة إيران على تهديد السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز. وقد استخدمت الطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة والقطع البحرية الأمريكية ذخائر دقيقة لضرب عشرات الأهداف خلال موجة استمرت سبع ساعات، شملت مواقع للصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية وأنظمة الدفاع الساحلي. وأفاد الجيش الإيراني بمقتل سبعة من عناصره في ضربة صاروخية استهدفت ثكنة عسكرية قرب مدينة إيرانشهر، جنوب شرقي البلاد.
الرد الإيراني على القواعد الأمريكية
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن إطلاق موجتين من الصواريخ الباليستية استهدفت منشآت أمريكية في الأردن، وذلك ردًا على الهجوم الأمريكي الذي وصفه بأنه استهدف مستشفى لعلاج سرطان الأطفال في إيران. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بتنفيذ هجمات منفصلة بطائرات مسيرة على قواعد ومنشآت أمريكية في الأردن والكويت والبحرين. وأوضح الجيش الإيراني أنه استهدف أنظمة اتصالات ومخازن وقود أمريكية في الأردن، بالإضافة إلى أنظمة رادار ومنظومة باتريوت للدفاع الجوي ومخازن للوقود في قاعدة علي السالم الجوية بالكويت، ومنشآت عسكرية أمريكية في قاعدة الشيخ عيسى بالبحرين. وقد أعلن الجيش الكويتي اعتراض هجمات الطائرات المسيرة، بينما دعت وزارة الداخلية البحرينية المواطنين والمقيمين إلى التزام الهدوء. وأفادت وسائل إعلام أردنية رسمية بأن الجيش اعترض ثماني طائرات مسيرة، دون وقوع إصابات أو أضرار مادية.
مستقبل التفاهم الهش
أعادت واشنطن، مساء الثلاثاء، فرض حصار بحري يمنع السفن من التوجه إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو مغادرتها، وقد قامت القيادة المركزية الأمريكية بالفعل بتحويل مسار سفينتين تجاريتين منذ بدء تطبيق الحصار. كان هذا الحصار قد رُفع في إطار مذكرة التفاهم التي توصل إليها البلدان الشهر الماضي، غير أن الخلاف حول مضيق هرمز بات يشكل العقبة الأبرز أمام تنفيذها، في ظل تمسك طهران بدورها في إدارة الممر البحري.
وفي هذا الصدد، صرح كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، بأن بلاده “ليس لديها سبب” للالتزام بالتفاهم إذا لم تستفد منه، مؤكدًا أن الأمن القومي الإيراني يعتمد على الحفاظ على ما وصفه بـ”الترتيبات الإيرانية” في المضيق. واعتبر قاليباف أن التفاوض، شأنه شأن الحرب، جزء لا يتجزأ من استراتيجية المقاومة الإيرانية في مواجهة وصفها بأنها “وجودية” مع الولايات المتحدة.
في مسار دبلوماسي موازٍ، أعلنت باكستان أنها ستواصل حث الولايات المتحدة وإيران على وقف الهجمات واستئناف المحادثات الفنية بموجب مذكرة التفاهم التي ساعدت في التوسط للتوصل إليها الشهر الماضي. وأقر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، بأن تنفيذ المذكرة يواجه تحديات، مؤكدًا أن بلاده ستواصل تشجيع جميع الأطراف على إنهاء العنف والعودة إلى المحادثات.
تأثيرات اقتصادية وتحذيرات إضافية
في ردها على إعادة فرض الحصار، حذر الحرس الثوري الإيراني من أن على واشنطن أن تتوقع إغلاق طرق أخرى لتصدير النفط والغاز تخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، دون أن يحدد الطرق التي قد تتأثر. كما حذر متحدث عسكري إيراني من أن بلاده ستدمر بنى تحتية في المنطقة إذا استهدفت الولايات المتحدة منشآت إيرانية رئيسية. وقد أدت هذه المواجهة إلى تعطل شبه كامل لحركة ناقلات النفط عبر المضيق، مما تسبب في ارتفاع حاد في الأسعار العالمية وأعاد إبراز الأهمية القصوى لهذا الممر للاقتصاد العالمي.
بادرة حسن نية وسط التوتر
على الرغم من التصعيد العسكري، رحب الرئيس ترامب بالإفراج عن المواطنة الأمريكية دينا كراري، التي قال إنها كانت محتجزة “ظلماً” منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. وأكد ترامب أن كراري باتت خارج إيران وبحالة جيدة، شاكرًا طهران على ما وصفه بـ”بادرة حسن نية”. وأفاد محاميها، جاريد غينسر، بأنها كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق