بعد ثلاثة أشهر من إفراج واشنطن عن حزمة مساعدات أمنية للبنان بلغت قيمتها 230 مليون دولار، تتصاعد النقاشات في الأوساط الدبلوماسية والسياسية حول طبيعة التوقعات الأمريكية في المقابل. هذه التساؤلات تأتي في ظل انتشار قوات الجيش اللبناني في قرية بئر السلاسل بجنوب لبنان، في مشهد يعكس التعقيدات الأمنية والسياسية التي تشهدها البلاد.
توضيح حول حجم المساعدة الأمريكية
خلافاً لبعض التقارير التي اختزلت المسألة في خفض حاد للدعم العسكري الأمريكي للبنان من حوالي 200 مليون دولار إلى 30 مليون دولار، فإن الصورة أكثر تعقيداً. فطلب موازنة إدارة ترامب للسنة المالية 2027 يقترح تخصيص 36 مليون دولار للجيش اللبناني، وليس 30 مليوناً. الأهم من ذلك، أن هذه الأموال من المقترح أن تمر عبر “صندوق تدريب وتجهيز قوات مكافحة داعش”، وهي آلية لم يسبق للبنان أن تلقى من خلالها هذا النوع من المساعدات.
تجدر الإشارة إلى أن الكونغرس لم يقرّ هذا المقترح بعد، ومن المعروف أنه غالباً ما يعيد تخصيص أموال للمساعدات الخارجية التي تحاول السلطة التنفيذية خفضها. ومع ذلك، يُقرأ هذا الطلب بحد ذاته في بيروت وواشنطن كإشارة سياسية واضحة.
رسالة سياسية مشروطة
تُفهم هذه الخطوة على أنها مؤشر إلى أن الدعم الأمريكي المستقبلي للجيش اللبناني قد يصبح مرتبطاً بشكل أوثق بقدرة الجيش على إحراز تقدم ملموس في فرض سلطة الدولة والتعامل مع الوجود المسلح لحزب الله. هذا التحول لا يقتصر على حجم المساعدة المقترحة فحسب، بل يمتد ليشمل الطريقة التي تعرّف بها واشنطن الملف الأمني اللبناني ككل.
يأتي هذا المقترح بعد حزمة دعم أكبر بكثير أُفرج عنها في عام 2025، بلغت 190 مليون دولار للجيش اللبناني و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وقد وصف المبعوث الأمريكي توم براك تلك المساعدة حينها بأنها دليل على التزام واشنطن بسيادة لبنان ونزع سلاح حزب الله. كما أكد متحدث باسم وزارة الخارجية أن الدعم يهدف إلى مساعدة القوات اللبنانية على “فرض السيادة اللبنانية في أنحاء البلاد” والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي 1701.
المطالب الأمريكية وتصريحات المسؤولين
النقاش الحالي لا يدور ببساطة حول زيادة المساعدة أو خفضها، بل حول الشروط التي تربطها واشنطن، سواء ضمنياً أو علناً، بالدعم المستقبلي. وقد كان وزير الخارجية ماركو روبيو صريحاً بشأن النتائج التي ترغب الإدارة الأمريكية في رؤيتها. ففي شهادات أمام الكونغرس وتصريحات علنية، دعا روبيو إلى تدريب وتجهيز وحدات مدققة من الجيش اللبناني تكون قادرة على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، مشدداً على أهمية ذلك “حتى لا تضطر إسرائيل إلى فعل ذلك”، حسب تصريحاته في أبريل.
من جانبهم، ذهب جمهوريون آخرون أبعد من ذلك، حيث حذر السناتور ليندسي غراهام من تقديم مساعدات أمريكية إضافية ما لم يخضع الجيش اللبناني لـ”إصلاح حقيقي، قابل للتحقق، وفوري”.
تحديات بيروت ورفض حزب الله
مصادر لبنانية مطلعة على النقاشات السياسية الداخلية لـMBN أشارت إلى أن رقم الـ36 مليون دولار فُهم في بيروت بدرجة أقل كرقم نهائي في الموازنة، وبدرجة أكبر كرسالة تعبر عن إحباط أمريكي. وتضمنت الهواجس الأمريكية بطء التقدم في ملف نزع سلاح حزب الله، بالإضافة إلى خطوات سياسية لبنانية ترى واشنطن أنها لا تقابلها إجراءات كافية على الأرض.
وقد زاد البيان الأمريكي – اللبناني – الإسرائيلي المشترك الصادر في 3 يونيو من وضوح تلك الرسالة، حيث رُبط إطار وقف إطلاق النار الذي أعلنته وزارة الخارجية صراحة بـ”وقف كامل لنيران حزب الله وإجلاء جميع عناصر حزب الله من قطاع جنوب الليطاني”. كما اتفقت الأطراف على إنشاء مناطق تجريبية تخضع للسيطرة الحصرية للجيش اللبناني، على أن تُستأنف المحادثات في الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو. إلا أن حزب الله رفض الاتفاق في اليوم التالي، واستؤنف القتال خلال ساعات، مما أبرز التحدي الجوهري.
المستقبل: بين القدرة السياسية والعسكرية
يطرح هذا الرفض السؤال الأساسي الذي يواجه كلاً من واشنطن وبيروت: هل تستطيع الدولة اللبنانية تحويل الالتزامات الدبلوماسية إلى سيطرة فعلية على الأرض؟ منذ عام 2006، تلقى الجيش اللبناني أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات الأمريكية، انطلاقاً من فكرة أن الجيش يمكن أن يشكل مؤسسة وطنية قادرة على تثبيت الاستقرار وفرض سيادة الدولة اللبنانية.
ما يبدو مختلفاً الآن هو أن واشنطن تطلب من الجيش اللبناني أن يتحرك بصورة مباشرة استناداً إلى هذه الفكرة، في مناطق حافظ فيها حزب الله طويلاً على قوة عسكرية خارج سيطرة الدولة. إن قدرة الجيش على تحقيق ذلك، وما إذا كانت القيادة السياسية اللبنانية ستسمح له بالمحاولة، هو السؤال المحوري الكامن خلف مقترح الـ36 مليون دولار. وقد تحدد الإجابة ما إذا كانت المساعدات الأمريكية المقبلة ستشبه الحزمة الكبيرة التي أُفرج عنها في عام 2025، أم ستتجه إلى شكل أصغر حجماً، أكثر ارتباطاً بالشروط، وأشد التصاقاً بخطوات قابلة للقياس ضد حزب الله.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق