لطالما كان اللاعب البريطاني ديفيد بيكهام أيقونة في عالم كرة القدم، لكن مسيرته المهنية شهدت أيضًا تحوّله إلى رمز مؤثر في عالم الموضة. وقبل أن يصبح حضور لاعبي كرة القدم على منصات العروض وصفحات المجلات أمرًا شائعًا، كان بيكهام من أوائل الرياضيين الذين أثاروا جدلاً واسعًا بسبب اختياراتهم الجريئة في الأزياء.
حادثة السارونغ: شرارة الجدل
في عام 1998، خلال تواجده في فرنسا لحضور كأس العالم، ظهر ديفيد بيكهام برفقة زوجته المغنية البريطانية فيكتوريا أدامز (المعروفة آنذاك باسم “بوش سبايس”)، مرتديًا قطعة قماش طويلة ملفوفة حول الخصر، عُرفت بـ”السارونغ”. هذه الإطلالة، التي صممها الفرنسي جان بول غوتييه، لم تمر مرور الكرام، بل تصدرت عناوين الصحف البريطانية وأشعلت نقاشًا عميقًا تجاوز مجرد حدود الموضة، ليلامس مفاهيم الرجولة وصورة نجم كرة القدم في المجتمع.
عنونت صحيفة “ذا صن” حينها: “بيكهام ارتدى فستان بوش”، في إشارة إلى زوجته. إلا أن القطعة لم تكن فستانًا بالمعنى التقليدي، بل “سارونغ” يعكس جرأة في الاختيار.
السياق الثقافي وتحدي المفاهيم
لم يقتصر الجدل حول هذه الإطلالة على القطعة بحد ذاتها، بل ارتبط بما مثلته من تحدٍ للمفاهيم السائدة حول الرجولة والأزياء في أواخر التسعينيات. جاء ظهور بيكهام في فترة كانت تشهد فيها بريطانيا تحولات ثقافية واجتماعية ملحوظة، تزامنت مع صعود ما عُرف لاحقًا بثقافة “الميتروسيكشوال” (Metrosexual)، التي أعادت تعريف علاقة الرجال بالموضة والعناية الشخصية.
تغطية إعلامية واسعة وآراء متباينة
عكست التغطية الصحفية لظهور بيكهام آنذاك الكثير من ملامح ثقافة “الرجولة التقليدية” في بريطانيا، التي كانت تنظر بريبة إلى فكرة ارتداء الرجل لقطعة تشبه التنورة. وبدا وكأن الجميع، بمن فيهم الأطفال، كان لديهم رأي حول الزي. فقد صرح أحدهم لصحيفة بأنه “لا يحب الرجال الذين يرتدون تنانير، فهو معتاد على رؤيتهم يرتدون سراويل”.
من جانبه، علّق ستيفن دوغ، محرر الأزياء الرجالية في صحيفة “ذا تلغراف”، بأن “شهية جماهيرية غير مسبوقة تجاه الثنائي كانت تغذي ماكينة الإعلام وتبقيها في حالة دوران مستمر”. وأضاف أن “رؤية رجل بهذه المكانة يطمس الحدود الجندرية ضمن موجة الميتروسيكشوال الجديدة كانت صادمة بقدر ما كانت مثيرة للانتباه”.
كما اعتبرت لورين كوتشراين، كبيرة كتاب الموضة في صحيفة “ذا غارديان”، أن نجوم كرة القدم لطالما مثلوا نموذجًا تقليديًا للرجولة في المخيلة الشعبية، مما جعل أي تحدٍ لهذه الصورة يثير جدلاً يتجاوز حدود الموضة نفسها. وأشادت بجرأة بيكهام، موضحة أن إطلالته لم تكن مجرد خيار في الملابس، بل لحظة ثقافية كشفت هشاشة كثير من الأفكار المرتبطة بالرجولة.
رد فعل بيكهام وتأثيره على “علامة بيكهام”
على الرغم من العاصفة الإعلامية، بدا بيكهام، الذي كان يبلغ 23 عامًا آنذاك، أقل تأثرًا. ففي مقطع أعيد تداوله ضمن وثائقيّه الأخير على نتفليكس، رد على أسئلة الصحفيين بابتسامة قائلاً: “لم تروا شيئًا بعد”. وقد حظي بدعم من والده تيد بيكهام، الذي أثنى على أناقة ابنه في الوثائقي.
على مدى السنوات اللاحقة، أكد بيكهام مرارًا أنه لم يندم على تلك الإطلالة، معتبرًا أن اختياراته في الموضة كانت دائمًا نابعة من قناعاته الشخصية. ومع الوقت، تحولت حادثة السارونغ إلى جزء لا يتجزأ من قصة “علامة بيكهام”؛ تلك الصورة التي بناها ديفيد وزوجته عند تقاطع الرياضة والموضة والإعلام، والتي تطورت لاحقًا إلى واحدة من أكثر العلامات الشخصية تأثيرًا في عالم المشاهير.
تداعيات تتجاوز الموضة
لم يقتصر الجدل على عالم الموضة فحسب، بل امتد ليثير تساؤلات حول مدى تركيز اللاعب قبل كأس العالم. فقد صرح مدرب منتخب إنجلترا آنذاك، غلين هودل، بأنه لا يعتقد أن بيكهام كان في كامل تركيزه. ووصف بيكهام هذه التصريحات لاحقًا بـ”القاتلة” لأنها غذّت التكهنات بشأن احترافيته. وبلغ الجدل حدّ توجيه أسئلة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، توني بلير، حول أحقية بيكهام بالاستمرار مع المنتخب، إلا أن بلير تجنب الخوض في القضية.
الموضة الرجالية اليوم: تحول مستمر
اليوم، لم يعد ظهور نجوم كرة القدم بإطلالات جريئة من دور الأزياء العالمية أمرًا استثنائيًا، ومع اقتراب كأس العالم، باتت أناقة اللاعبين خارج الملعب جزءًا من النقاش المحيط باللعبة. كما أصبحت قطع مثل السارونغ والتنانير والفساتين أكثر حضورًا في أزياء الرجال، مع تبنّيها من قبل مشاهير عالميين مثل براد بيت، وآيساب روكي، وهاري ستايلز.
ورغم هذا التحول الكبير، لا تزال بعض الإطلالات الخارجة عن القوالب التقليدية تثير انتقادات وردود فعل سلبية، مما يشير إلى أن النظرة إلى أزياء الرجال شهدت تغيرًا ملحوظًا منذ أواخر التسعينيات، لكنها لم تتحرر بالكامل من الأحكام المرتبطة بمفاهيم الرجولة التقليدية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق