وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي مسؤولين أمريكيين في جنيف
السياسة

مسقط في عين العاصفة: تصريحات ترامب تضع الدور العماني على المحك

حصة
حصة
Pinterest Hidden

مسقط، عُمان (رويترز) – أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأخيرة حول سلطنة عُمان تساؤلات واسعة حول طبيعة العلاقة بين البلدين ودور السلطنة المحوري في المنطقة. ففي اجتماع إدارته بتاريخ 27 مايو الجاري، لم يكتفِ ترامب برفض اتفاق قصير الأمد يتيح لإيران وعُمان إدارة مضيق هرمز، مؤكداً أن الممر “مياه دولية” ولا يمكن لأحد السيطرة عليه، بل أضاف عبارة غير متوقعة بحق حليف خليجي، قائلاً إن على عُمان أن “تتصرف مثل الجميع، وإلا اضطررنا إلى نسفها”. هذا التصريح الصادم دفع بالمراقبين إلى التساؤل: لماذا ظهرت مسقط أصلاً في معادلة الضغط، وهي ليست خصماً للولايات المتحدة؟

سياق الأزمة وتصاعد التوتر

يأتي هذا التصريح في سياق أزمة مضيق هرمز التي رافقت “حرب إيران” وتجاوزت الثمانين يوماً. فبعد أن أوقفت إيران الحركة عبر الممر الحيوي الذي يمرّ منه أكثر من خُمس النفط الخام العالمي، أُعيد فتحه جزئياً ضمن هدنة هشّة. وقُبيل تصريح ترامب، تحدث إعلام إيراني رسمي عن مسودة مذكرة تفاهم محتملة تمنح طهران ومسقط إدارة مشتركة للمضيق، وربما فرض رسوم على العبور. وصفت إدارة ترامب هذه الرواية بأنها “ملفقة بالكامل”. وبعد ساعات من تصريح ترامب، هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عُمان بإجراءات عقابية في حال دعمت فرض رسوم على المرور في المضيق، قبل أن يعلن لاحقاً تلقيه تطمينات عُمانية بعدم وجود نية لفرضها.

علاقات تاريخية وردود فعل عمانية

تتضح هنا قيمة عُمان ومأزقها في آن واحد. فالعلاقة مع الولايات المتحدة تمتدّ لقرابة قرنين، بدءاً من معاهدة الصداقة والتجارة عام 1833 ووصول أول مبعوث عربي إلى نيويورك عام 1840، مروراً باتفاقية تجارة حرة دخلت حيّز التنفيذ عام 2009، وصولاً إلى وساطة عُمانية مهدت للاتفاق النووي عام 2015. ومع ذلك، قُرئت تصريحات ترامب في عُمان بوصفها “صادمة ومسيئة، ولا يمكن اختزالها في “اندفاعة لفظية” أو مزحة سياسية”، كما تقول ليندا فونش، الباحثة الأمريكية المتخصصة في الشأن العُماني، في حديث لـ”الحرة”. وتضيف فونش أن هذه التصريحات “لامست الكرامة الوطنية لدى العُمانيين، في بلد لم يكن عدواً لواشنطن بل وسيطاً بينها وبين خصومها”.

ويرى الصحفي العُماني المختار الهنائي، في حديث لـ”الحرة”، أن حديث ترامب أقرب إلى رسالة ضغط سياسي منه إلى سياسة فعلية، مشيراً إلى أن ترامب استخدم التصعيد اللفظي مراراً مع دول أخرى كالصين والعراق ولبنان بوصفه أداة إعلامية تسبق أي خطوة عملية، معتبراً أن ما جرى “لم يصل إلى مستوى الأزمة”.

من جانبه، يقرأ الأكاديمي المختصّ بشؤون الخليج عبد الله باعبود، التصريح بوصفه “فهماً خاطئاً للموقف العُماني” لا تحولاً مؤسسياً، لكنه يحذر من “خطره الحقيقي في خلق انطباع بأن واشنطن لم تعد تميّز بين الصديق والوسيط المفيد والطرف المعادي، وهو ما قد يضر بمصالحها في المنطقة قبل أن يضر بعُمان”.

الدور العماني كوسيط محايد

لعبت مسقط لعقود دور القناة الخلفية بين واشنطن وطهران، فاستضافت محادثات سرّية وعلنية مهدت لتفاهمات سابقة بينهما. وقُبيل اندلاع “حرب إيران” في 28 فبراير بيوم واحد، كان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجتمع بمسؤولين أميركيين ويتحدث عن تقدّم غير مسبوق في المفاوضات. تعتمد الإدارات الأميركية المتعاقبة على عُمان لأنها تخاطب الطرفين من دون أن تكون طرفاً، وتنظر إليها طهران بثقة لا تمنحها لدول خليجية أخرى. وهذا ما يجعل عُمان حاضرة تلقائياً في أي نقاش حول أمن الخليج، حتى حين لا تكون طرفاً مباشراً فيه.

يضع الكاتب الكويتي قيس الأسطى التهديد في خانة محاولة واشنطن “توحيد الصف” خلفها أثناء التفاوض مع إيران، فيما تصرّ مسقط على عدم الانحياز كي تبقى وسيطاً مقبولاً. وتربط الجغرافيا و”المصالح الأمنية” بين عُمان وإيران، بينما توجد شراكة أمنية واقتصادية طويلة بين الولايات المتحدة والسلطنة. وقد رفضت عُمان استخدام أراضيها لضرب اليمن أو إيران رغم كلفة هذا الرفض، وانتقد وزير خارجيتها الحرب علناً واصفاً إياها بأكبر خطأ في الحسابات الأميركية.

الأبعاد الاقتصادية والجيو-استراتيجية

للمسألة شقّ اقتصادي يفسّر جانباً من القلق الأميركي. فعُمان قد تكون الأقل تضرراً بين دول المنطقة من هذه الحرب، اقتصادياً على الأقل، لأن موانئها الكبرى (صحار وصلالة والدقم) تقع خارج مضيق هرمز وباب المندب معاً. وقد تحوّلت هذه الموانئ إلى الملاذ البديل لإعادة توجيه التجارة حين تعطّل الممر، وتشير تقديرات إلى ارتفاع حاد في تحويل السفن نحوها، وإلى زيادة بنحو 117 في المئة في الصادرات التي تتولّى مناولتها من دول خليجية أخرى منذ بدء الحرب.

لكن هذه المكاسب ليست صافية تماماً؛ فقد تعرّضت الدقم وصلالة لضربات إيرانية بمسيّرات عطّلت العمل فيهما، وأُعيد تسعير التأمين على المخاطر الحربية على طول الساحل العُماني، حتى باتت السلطنة “أقل عرضة” لا محصّنة. ويرى محللون أن مثل هذه المكاسب ظرفية فرضتها الأزمة وليست تحوّلاً استراتيجياً دائماً. وتشدّد فونش على أن عُمان “لم تسعَ قط إلى استثمار موقعها الجغرافي لتحقيق مكسب مالي”، وأنها “ترى نفسها دولة محيط هندي أكثر منها دولة خليج؛ وهو ما ينقل بؤرة القلق الأميركي من فكرة ربح مسقط إلى فكرة قدرة إيران على التحكّم بالممر”.

تأثيرات إقليمية ودولية

هناك أيضاً قراءة تضيف البعد الإسرائيلي إلى المشهد. فبحسب جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لمركز “دراسات دول الخليج”، وهي شركة استشارات في المخاطر الجيوسياسية مقرّها واشنطن، ظلّت العلاقة بين البلدين مستقرة رغم توترات متكررة حتى تهديد ترامب الأخير وما رافقه من تلويح بعقوبات. وهو ما قد يعني أن إدارته “لم تعد مستعدة للتسامح” مع حياد عُمان وانفتاحها العملي على طهران. ويربط كافييرو ذلك بحملة منظّمة في واشنطن تقودها، كما يقول، أوساط مؤيدة لإسرائيل لإعادة تصوير مسقط من شريك موثوق إلى طرف “يستحق الضغط”، عزّزها الموقف العُماني من الحرب على غزة.

بدورها ترى الباحثة في “معهد دول الخليج العربية” كريستين سميث ديوان أن هناك نمطاً مقلقاً في استهداف الوسطاء. وتضيف أن دعوة مسقط العلنية إلى التسوية مع إيران، قبل الحرب وخلالها، تجعلها هدفاً أكبر لدعاة التصعيد العسكري، وإن كانت تتوقع أن تجد في النهاية حلاً لا يضعها في مواجهة شركائها الخليجيين.

خاتمة

في الختام، لا يبدو أن ترامب كان يريد “نسف” عُمان بقدر ما كان يسعى لتثبيت معادلة مهمة: بقاء السلطنة وسيطاً يقف على مسافة واحدة من الجميع، مع التأكيد على مصالح الولايات المتحدة في حرية الملاحة بالمضيق. هذه التصريحات، رغم حدتها، تعكس تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي الذي تتنقل فيه عُمان بمهارة دبلوماسية فريدة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *