تراجع تاريخي في طاقة تكرير النفط العالمية: صراعات الشرق الأوسط وأوكرانيا تضرب الإمدادات
شهدت طاقة تكرير النفط العالمية تراجعاً غير مسبوق خلال الأشهر الماضية، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وذلك نتيجة للهجمات المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا. وقد أدت هذه التطورات إلى تعطيل ما يقرب من تسعة بالمئة من إجمالي القدرة التكريرية العالمية، مما فاقم أزمة إمدادات الوقود ومن المرجح أن يؤخر تعافي هذا القطاع الحيوي لعدة أشهر حتى بعد انتهاء الأعمال القتالية.
تأثير الصراعات على قطاع التكرير
لم تقتصر تداعيات التوترات في منطقة الخليج على عرقلة حركة ناقلات النفط فحسب، بل شكلت أيضاً الضربة الأكبر لقطاع التكرير منذ جائحة كوفيد-19 في عام 2020. فقد أدت الأضرار التي لحقت بالمنشآت ونقص إمدادات الخام إلى تخفيضات كبيرة في عمليات التكرير. وفي هذا السياق، صرح أولي هانسن، المحلل لدى ساكسو بنك، لوكالة رويترز بأن “الشح الحالي في سوق المنتجات المكررة سيستمر… لا سيما بالنظر إلى الأضرار التي لحقت بالمصافي”.
ارتفاع الأسعار ونضوب المخزونات
شهدت أسعار النفط الخام ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغ سعر خام برنت 126 دولاراً للبرميل في أبريل الماضي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أربع سنوات. كما ارتفعت أسعار المنتجات المكررة بوتيرة أسرع، حيث سجل وقود الطائرات مستوى قياسياً مرتفعاً في مارس. وقد دفع نقص المعروض شركات التكرير والمتعاملين وتجار التجزئة إلى استنزاف مخزونات النفط الخام والوقود لتلبية الطلب المتزايد. وأشار باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز، في 29 أبريل، إلى سحب نحو 500 مليون برميل من المخزونات، متوقعاً أن ترتفع هذه الكمية إلى مليار برميل نظراً للوقت اللازم لاستئناف تشغيل المنشآت وتوريد النفط إلى آسيا. وأكد بويان أنه “حتى لو انتهت الحرب سريعاً، فمن المتوقع أن تظل الأسعار عند مستويات عالية”.
تفاصيل الانقطاعات الإقليمية
يبلغ الطلب اليومي على منتجات الوقود السائل، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود المشتق من النفط الخام، حوالي 104 ملايين برميل. وتظهر بيانات شركة (آي.آي.آر) المتخصصة في معلومات أسواق الطاقة العالمية أن التوترات في منطقة الخليج أدت إلى تعطيل ما يصل إلى 3.52 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير حتى السابع من مايو الجاري.
الشرق الأوسط
تضررت مصفاة رأس تنورة في السعودية، التي تبلغ طاقتها 550 ألف برميل يومياً، وهي الأكبر في المملكة. وقد أعلن أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية، يوم الاثنين عن استئناف تشغيل المصفاة، رغم أن بعض الوحدات لا تزال تخضع لعملية صيانة.
- تعرضت اثنتان من مصافي الكويت الثلاث، وهما ميناء الأحمدي وميناء عبد الله، لهجمات بطائرات مسيرة، مما خفض معدلات التكرير فيهما. كما تأثرت مصفاة الزور، الأكبر في الكويت بطاقة 615 ألف برميل يومياً.
روسيا وأوكرانيا
أدت الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى خسارة 1.42 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير، وفقاً لـ (آي.آي.آر).
- تشير حسابات رويترز إلى أن هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية، التي تستهدف تعطيل الآلة الحربية الروسية، تسببت في توقف نحو 700 ألف برميل يومياً من طاقة تكرير النفط الخام الروسي في 16 موقعاً بين يناير ومايو.
تداعيات عالمية وتوقعات مستقبلية
أفاد محللون في جيه.بي مورجان أن نقص النفط الخام في آسيا وأوروبا أدى إلى انخفاض طاقة التكرير بنحو 3.8 مليون برميل يومياً. وتؤكد (آي.آي.آر) أن إجمالي الانقطاعات المرتبطة بالصراعات يعادل ما يقرب من تسعة بالمئة من الطاقة التكريرية العالمية البالغة 100.5 مليون برميل يومياً.
وعلق المحلل كيلين تام من شركة (إف.حي.إي) قائلاً: “كان لانخفاض معدلات تشغيل المصافي في آسيا وروسيا تأثير كبير وغير متناسب على أسعار الديزل وزيت الغاز”. وأضاف: “نشهد تحولاً في التوازن في آسيا من فائض إقليمي قوي إلى عجز إقليمي كبير”.
وأظهرت بيانات رسمية أن مخزونات المنتجات النفطية في سنغافورة، التي تعد مركزاً عالمياً للنفط، بلغت أدنى مستوياتها منذ أكثر من تسعة أشهر في السابع من مايو. كما حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أوروبا قد تواجه نقصاً في وقود الطائرات في وقت قريب، ربما في يونيو، إذا لم يتسن تعويض إمدادات الخليج بالكامل. في المقابل، أظهرت بيانات شركة كبلر أن مصفاة دانجوت النيجيرية العملاقة، بطاقة إنتاجية 650 ألف برميل يومياً، ضاعفت تقريباً صادراتها من وقود الطائرات إلى أوروبا في أبريل.
وفي الاتحاد الأوروبي، أشارت بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن أسعار الديزل في محطات الوقود ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 2.11 يورو للتر في أبريل، وهو ما يعكس انخفاض إمدادات الخليج وتوقف الواردات من روسيا، التي كانت المورد الرئيسي لأوروبا، بسبب الحرب الأوكرانية.
تحديات هيكلية طويلة الأمد
أوضح جورج ديكس، المحلل في شركة إنرجي أسبيكتس، أن قطاع التكرير بدأ العام بطاقة فائضة محدودة بعد عمليات الإغلاق التي شهدها خلال جائحة كورونا وما بعدها. وتظهر بيانات (آي.آي.آر) أن نحو 9.69 مليون برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية توقفت بين عامي 2019 و2026، وذلك بسبب جائحة كورونا والمشكلات التشغيلية وضعف الجدوى الاقتصادية والانتشار التدريجي للسيارات الكهربائية، أي ما يعادل 10 بالمئة تقريباً من الطاقة التشغيلية الحالية. ومن المرجح أن تستغرق العودة إلى الوضع الطبيعي شهوراً.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية تراجع عمليات التكرير في مصافي الخليج إلى 8.7 مليون برميل يومياً هذا العام، بانخفاض قدره 900 ألف برميل يومياً عن عام 2025. كما خفضت الوكالة توقعاتها لعمليات تكرير النفط الخام الروسي في الربع الثاني من عام 2026، لتحددها عند 4.8 مليون برميل يومياً مقابل نحو 5.2 مليون برميل يومياً في وقت سابق من هذا العام، وذلك بسبب الهجمات الأوكرانية المستمرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق