خريطة منطقة الساحل والصحراء تظهر مناطق النفوذ والتوترات الأمنية
السياسة

الساحل في مفترق طرق: تقاطع الجبهة الانفصالية والإرهاب ودور الجزائر في زعزعة الاستقرار الإقليمي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تنامي التهديدات الأمنية في الساحل: تشابك معقد

تشهد منطقة الساحل والصحراء تزايدًا ملحوظًا في التحذيرات المتعلقة بالتهديدات الأمنية، حيث تتشابك النزاعات الانفصالية مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتنظيمات المتطرفة. تنشط هذه الكيانات في بيئات تعاني من هشاشة أمنية واضطراب سياسي، مما يفرض إعادة تقييم للتحالفات الجيوسياسية وتأثيراتها على الأمن الإقليمي والدولي.

تحولات جيوسياسية وموازين نفوذ متغيرة

شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات واضحة على تغير موازين النفوذ في منطقة الساحل. جاء ذلك بالتزامن مع تحولات دبلوماسية قادتها بعض الدول الإفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية، مقابل تصاعد الجدل حول دور أطراف إقليمية في تغذية بؤر التوتر وإعادة تشكيل خرائط النفوذ، مستخدمة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب كأوراق ضغط ضمن صراعات جيوسياسية.

الجزائر، الجبهة الانفصالية، والجماعات الجهادية: تداخل وظيفي

في هذا السياق، أكد عبدالوهاب الكاين، رئيس منظمة أفريكا ووتش والكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن البعد الأكثر إثارة للقلق يتمثل في التلاشي الوظيفي للحدود بين الاستراتيجية الرسمية للدولة الجزائرية، والمشروع الانفصالي لجبهة الجبهة الانفصالية، والمنظومات الجهادية النشطة في الساحل. هذا التداخل برز بشكل جلي بعد إعلان جمهورية مالي سحب اعترافها بالكيان الانفصالي ودعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد وواقعي للنزاع.

مخيمات تندوف: حاضنة للتهريب والإرهاب

بناءً على رصد مؤشرات الحكامة في المنطقة، أشار الكاين إلى أن المناطق المتاخمة للصحراء المغربية، وخاصة شمال موريتانيا ومخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، تحولت إلى حواضن كبرى لتهريب المخدرات والسلع وتداول الأسلحة. وأبرز وجود أدلة متزايدة توثق صلات خطيرة بين المنظمات الإجرامية وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والصحراويين القاطنين بالمخيمات، محذرًا من تفاقم هذه الروابط مع استمرار تدهور الأوضاع.

عدنان أبو وليد الصحراوي: مثال للتقاطع الخطير

أوضح المتحدث ذاته أن التجسيد الأبرز لهذا التقاطع الخطير هو مسار عدنان أبو وليد الصحراوي، الإطار السابق في جبهة الجبهة الانفصالية الذي أسس تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. وقد دبر الصحراوي كمينًا في النيجر عام 2017 أودى بحياة أربعة جنود أمريكيين، مما يعكس، حسب الكاين، مآلاً حتميًا لشباب يائس يرى في التنظيمات المسلحة قوة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه قيادة الجبهة لعقود عبر استهداف المغرب.

الجبهة الانفصالية كتهديد للسلم الإقليمي والدولي

أكد التقرير الحقوقي أن انتشار التطرف في الساحل والفوضى والإفلات من العقاب في تندوف يسهل تجنيد عناصر الجبهة الانفصالية، مما يجعلها اليوم من أبرز التهديدات للسلم الإقليمي والدولي. وحذر التقرير من الخطورة البالغة لما يمكن أن تشكله المخيمات من محطات عبور لنقل أسلحة متطورة، بما في ذلك طائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي محمولة، وتوجيهها لفروع تنظيم الدولة والقاعدة، استنادًا إلى تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة.

الجزائر: اتهامات بلعبة مزدوجة

كشف المصدر أن الجزائر تواجه اتهامات بممارسة لعبة مزدوجة تقوم على إدانة الإرهاب علنًا والتفاوض مع المتطرفين وتمكينهم سرًا. واستدل بتقارير تفيد بضبط القوات المالية والفرنسية لأسلحة جزائرية المنشأ بحوزة تنظيمات إرهابية. ونقل رؤية مسؤولين أمنيين في الساحل يعتبرون الإرهاب تصديرًا جزائريًا بحكم انتماء معظم قادة القاعدة في المنطقة للجزائر، التي تستخدم هذا الملف تاريخيًا عبر دعم تمردات الطوارق لمواجهة نفوذ قوى أخرى.

تغير التحالفات في الساحل وتراجع النفوذ الجزائري

تابع الكاين أن المجالس العسكرية في باماكو ونيامي وواغادوغو أدركت مؤخرًا استفادة الجزائر من عدم استقرار الساحل للحفاظ على دورها كمحاور أمني. ويفسر هذا الوعي طرد القوات الفرنسية واللجوء إلى مجموعة فاغنر وانفتاح مالي على المغرب. وشدد على تواتر الأدلة التي تثبت تورط الجزائر في الهجمات الإرهابية بمالي وتوريدها الأسلحة والمعلومات لجبهة تحرير أزواد، بالإضافة إلى وجود جالية طوارقية مالية في تندوف اندمجت في نسيج المخيمات بعد قتالها ضد المغرب قبل سنة 1991، مما لا يستبعد وجود عناصر انفصالية في الصراع المالي.

تصنيف الجبهة الانفصالية كمنظمة إرهابية: خطوة حاسمة

اعتبر الكاتب العام للتحالف أن تصنيف الجبهة الانفصالية كمنظمة إرهابية يمثل خطوة حاسمة لكشف وعزل استراتيجية زعزعة الاستقرار التي تنهجها الجزائر، وتوجيه رسالة أمريكية حازمة ترفض التشدد المدعوم من الدول تحت غطاء التحرر. وأكد أن هذا التصنيف سيقلص تدفق الأسلحة للجهاديين ويقوي الشراكات الأمريكية الإفريقية بالاعتماد على المغرب كحجر زاوية من خلال تبادل الاستخبارات ومناورات الأسد الإفريقي.

المبادرة الأطلسية: المغرب يملأ الفراغ الاستراتيجي

أشار التقرير إلى أن إعلان وزير خارجية مالي عقب لقائه بناصر بوريطة في باماكو لم يكن حدثًا عابرًا، بل تتويجًا لاصطفاف جيوسياسي عميق يضرب أسس الهيمنة الجزائرية. ويعكس هذا التحول براغماتية اقتصادية تضع باماكو كمستفيد من التنمية التي سيجلبها حل النزاع، ويمثل حكمًا استراتيجيًا بتراجع دور الجزائر كقوة فاعلة بعد تفكك اتفاق 2015 وفشل وساطاتها المرفوضة لاتهامها باستضافة المتمردين لحماية منشآتها النفطية.

سجل المصدر ذاته أن فقدان الجزائر لنفوذها نتج عن انسحاب مالي من اتفاق الجزائر في يناير 2024 ورفض النيجر لمقترح جزائري في أكتوبر 2023 وتهميشها لصالح مجموعة فاغنر. في المقابل، تحرك المغرب لملء الفراغ بنهج يرتكز على الاستثمار والدبلوماسية، وهو ما تجلى في المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لمنح دول الساحل الحبيسة وصولًا للمحيط الأطلسي، والتي جدد وزراء خارجية هذه الدول دعمهم لها بالرباط في أبريل 2025.

المستقبل: دعوة للمجتمع الدولي

شدد المتحدث على أن التنافس الدبلوماسي وسباق التسلح يضعان المصالح المغربية موضع استهداف ممنهج، خاصة مع نجاح مشاريع كأنبوب الغاز مع نيجيريا. وأبرز أن هجمات الجبهة الانفصالية العشوائية ضد السمارة وتحول مالي الدبلوماسي ليستا ظواهر معزولة، بل مواجهة بين رؤيتين. وأشار إلى أن التوترات فاقمت تعطيل التجارة الرسمية وأنعشت شبكات الجريمة القادرة على رشوة السلطات لتسهيل حركة المقاتلين ونقل الأسلحة.

وخلص الحقوقي إلى أن تقاطع تحركات الجماعات المتطرفة مع الحسابات السياسية الجزائرية هو منطق اشتغال تاريخي لنظام حافظ على غموض وظيفي بين مكافحة الإرهاب واستخدام المسلحين لبسط النفوذ. وحذر من تزايد لجوء الجزائر لزعزعة الاستقرار بعد فقدان مالي والنيجر وتمدد نفوذ المغرب، داعيًا المجتمع الدولي إلى تسمية هذه الديناميكية بوضوح وبناء إطار أمني للتعامل مع التهديد الساحلي كحملة متماسكة من الضغوط غير المباشرة التي تمارسها الجزائر بوعي وإصرار.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *