في ظل حالة من “اللا حرب واللا سلم” التي تخيم على العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، تسعى دول الخليج العربي جاهدة لاستثناء نشاطها الاقتصادي من تداعيات التوترات الإقليمية. فخلال أسابيع قليلة، شهدت المنطقة إعلانات متتالية عن حزم استثمارية ضخمة، واتفاقيات عابرة للحدود، وتعديلات تنظيمية جديدة، في خطوة واضحة لإرسال رسالة قوية إلى الأسواق العالمية مفادها أن زخم اقتصاداتها لم يتأثر، وقدرتها على جذب رؤوس الأموال لا تزال قائمة.
الاستجابة الخليجية: تعزيز الثقة في وجه التحديات
لا تُعد هذه التحركات مجرد عودة طبيعية لممارسة الأعمال الاقتصادية بعد انحسار التوتر، بل هي محاولة استراتيجية لإعادة تأكيد مكانة الخليج كمنطقة قادرة على امتصاص الصدمات، ومواصلة تنفيذ مشاريعها التنموية الكبرى، والحفاظ على صورتها كوجهة استثمارية آمنة نسبياً، على الرغم من التحديات الجيوسياسية المباشرة التي تواجهها دول المنطقة.
تحليلات الخبراء: قراءة في الدوافع والأهداف
يؤكد الدكتور علي العنزي، الاقتصادي الكويتي، أن “العودة السريعة للنشاط الاقتصادي بعد الهدنة تعكس حرص دول الخليج على منع التوترات الجيوسياسية من إعادة تشكيل صورتها الاقتصادية”. ويضيف أن “التحركات الأخيرة تحمل إشارات واضحة للأسواق العالمية بشأن قدرة المنطقة على الاستمرار في تنفيذ مشاريعها، وضمان تدفقات رؤوس الأموال”.
وتأتي هذه الجهود في أعقاب بيانات حديثة أظهرت تباطؤاً في نمو الربع الأول من عام 2026، وهو تباطؤ يُعزى إلى تداعيات التوترات وتراجع الأنشطة غير النفطية. هذا الواقع يكشف عن حساسية اقتصادات الخليج لأي اهتزاز طويل الأمد في الثقة أو الاستثمار.
ويشير العنزي إلى أن “استعادة الثقة لا تنفصل عن مسارات التحول الاقتصادي الطموحة في المنطقة، من رؤى 2030 و2040 إلى توسع قطاعات التجارة والسياحة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دول مثل الإمارات وقطر والكويت”. ويشدد على أن هذه القطاعات “تحتاج إلى الاستقرار، وتدفقات استثمارية مستمرة، وإنفاق رأسمالي لا يتوقف عند أول أزمة”.
من جانبه، يرى الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، أن “دوافع هذا التسارع لا تقتصر على تعويض خسائر التوترات، بل تتصل أيضاً بترميم السمعة الاقتصادية لدول المنطقة بعد صدمة لم تكن محدودة”. ويضيف أن “بعض النماذج الاقتصادية البارزة، مثل دبي، تأثرت بدرجات متفاوتة، ما جعل إعادة التموضع الاقتصادي والسياسي مسألة عاجلة”. ويؤكد الطوقي أن دول الخليج “تحاول الاستفادة من الأزمة كفرصة لإعادة ترتيب أولوياتها”، مشيراً إلى أن “الضرر في مثل هذه الحالات يبقى قائماً، لكن الفارق يكمن في سرعة التعافي وإدارة الخسائر”.
تأثير التوترات والخطوات العملية للتعافي
كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد توقع أن تسجل اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك قطر والسعودية والإمارات، انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 5.2 و8.5 في المئة، بما يعادل خسائر تتراوح بين 103 مليارات و168 مليار دولار. كما خفضت مؤسسة “أوكسفورد إيكونوميكس” توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول المجلس لعام 2026 بنحو 4.6 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات ما قبل التوترات، ليتحول النمو المتوقع إلى سالب 0.2 في المئة، نتيجة تراجع إنتاج النفط والصادرات والسياحة.
مبادرات اقتصادية خليجية بارزة
- الإمارات العربية المتحدة: دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وكوريا الجنوبية حيز التنفيذ. كما عدلت دبي شروط إقامة المستثمر العقاري، وأطلقت الإمارات برنامجاً لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. وبحثت أبوظبي أطر التعاون مع روسيا لإنشاء بورصة حبوب ضمن مجموعة “بريكس”، في مؤشر إلى تزايد الاهتمام بالأمن الاقتصادي وضمان استدامة الإمدادات.
- المملكة العربية السعودية: أعلنت الرياض إعادة توجيه جزء أكبر من استثمارات صندوق الاستثمارات العامة نحو الداخل، ضمن استراتيجية تركز على تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط.
- دولة الكويت: برزت تحركات في قطاع الطاقة، شملت ترتيبات تمويلية بمليارات الدولارات مرتبطة بشبكة أنابيب النفط، إلى جانب مناقشات بشأن بيع حصة في هذه الأصول.
- دولة قطر: أقر مركز قطر للمال حزمة تدابير لدعم الشركات المسجلة لديه، شملت تمديد المواعيد النهائية لتقديم البيانات المالية المدققة، وتطبيق آليات مرنة لتعديل جداول الإقرارات الضريبية، وتوفير ترتيبات مؤقتة لمساحات عمل مخصصة للشركات الناشئة، بهدف تمكينها من مواصلة أنشطتها خلال الظروف الاستثنائية.
تهدف هذه الخطوات، رغم اختلافها من دولة إلى أخرى، إلى استعادة الإيقاع الاقتصادي بسرعة، ومنع التوترات من التحول إلى عامل طويل الأمد في حسابات المستثمرين.
مرونة الأسواق وثقة المستثمرين
يقول الاقتصادي السعودي، عبدالله الجبلي، إن “التعافي لا يسير بالوتيرة نفسها في كل دول الخليج، بسبب تفاوت حجم التأثر بالتوترات واستمرار بعض التحديات المرتبطة بخطوط الملاحة”. لكنه يشير إلى أن “السعودية لعبت دوراً في دعم استقرار أسواق الطاقة عبر تشغيل خط شرق-غرب بكامل طاقته خلال فترة التصعيد”.
ويرى الجبلي أن “دول الخليج اختارت خلال الأزمة نهجاً دفاعياً، وتجنبت الانخراط في عمليات هجومية، بهدف الحفاظ على ثقة المستثمرين الأجانب وتفادي أي إشارات قد تُفهم على أنها مخاطرة برؤوس الأموال”. ويضيف أن “مسارات التحول الاقتصادي، خاصة في السعودية، أظهرت قدراً من التماسك خلال فترة التوتر”. ويستشهد بأداء سوق الأسهم السعودي، الذي “لم يسجل تراجعات ممتدة، بل هبط في بداية الأحداث قبل أن يعاود الارتفاع بنحو 1200 إلى 1400 نقطة من أدنى مستوياته، في مؤشر إلى استمرار الثقة بالسوق”.
مستقبل العلاقات الاقتصادية الخليجية: تنافس أم تكامل؟
مع عودة النشاط الاقتصادي، يبرز سؤال قديم متجدد: هل تدخل دول الخليج مرحلة جديدة من التنافس الاقتصادي بعد الهدنة، أم أن الأزمة ستدفعها إلى مزيد من التكامل؟
وجهات نظر متباينة
- عبدالله الجبلي: يرى أن العلاقة بين السعودية والإمارات “لا يمكن وصفها بأنها تنافس اقتصادي بحت، بل تندرج في إطار تكاملي تحكمه المصالح المشتركة داخل نطاق جغرافي واحد، رغم وجود اختلافات في بعض الملفات السياسية”. ويضيف أن “المرحلة الحالية قد تشهد نوعاً من الفتور، لكنها لا تصل إلى مستوى القطيعة، مرجحاً أن تنعكس أي عودة للنشاط السياسي إيجاباً على النشاط الاقتصادي بين دول المنطقة”.
- الدكتور علي العنزي: يعتقد أن “المرحلة المقبلة قد تحمل ملامح عودة أوضح للتنافس الاقتصادي الخليجي، خصوصاً بين السعودية والإمارات، باعتبارهما من أكبر الاقتصادات في المنطقة”. لكنه لا يرى هذا التنافس بالضرورة مؤشراً سلبياً، بل “تعبيراً عن رغبة كل دولة في تثبيت موقعها كوجهة أكثر أماناً وجاذبية للاستثمار بعد الأزمة”. ويشير إلى أن “ملفات الطاقة والاستثمار قد تتحرك بوتيرة أسرع في الفترة المقبلة، مع سعي بعض الدول إلى تعويض تراجع الإيرادات النفطية وآثار التوترات على قطاعاتها الاقتصادية”.
- خلفان الطوقي: يرى أن “التنافس الاقتصادي الخليجي سيعاد تشكيله، لا إلغاؤه”. فبعض القطاعات ستشهد منافسة، بينما ستفرض قطاعات أخرى قدراً أكبر من التكامل. ويستشهد بمشاريع إقليمية طُرحت سابقاً بين سلطنة عمان وعدد من دول الخليج، بينها مشروع أنبوب نفط يربط هذه الدول بميناء الدقم العماني، الذي يتمتع بموقع استراتيجي خارج نطاق التوتر في مضيق هرمز. ويقول الطوقي إن هذه المشاريع “لم تحصل سابقاً على أولوية كافية، بسبب افتراض استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز من دون انقطاع كبير”. لكن التطورات الأخيرة قد تدفع دول الخليج إلى “إعادة النظر في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، ومنحها اهتماماً أكبر”.
خاتمة: اختبار جديد للمنطقة
في الختام، لا تبدو الهدنة نهاية للأزمة بقدر ما تبدو بداية اختبار جديد لدول الخليج. فالتوترات كشفت هشاشة بعض المسارات، لكنها دفعت أيضاً الحكومات إلى التحرك بسرعة لتثبيت الثقة، وحماية صورتها الائتمانية، وإقناع المستثمرين بأن المنطقة لا تزال قادرة على العمل حتى في ظل التوتر.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق