خريطة توضح الممرات التجارية الجديدة التي تربط أوروبا بمصر ونيوم ودول الخليج عبر البحر الأحمر
الاقتصاد

المملكة العربية السعودية: استراتيجية البحر الأحمر لتعزيز الأمن الاقتصادي وتجاوز تحديات هرمز

حصة
حصة
Pinterest Hidden

لم يكن توجه المملكة العربية السعودية نحو البحر الأحمر مجرد خيار طارئ فرضته التوترات الراهنة في مضيق هرمز، بل يمثل امتدادًا لمسار استراتيجي طويل بدأ يتشكل منذ عقود، وفقًا لخبراء تحدثوا لـ”الحرة”.

جذور الاستراتيجية: دروس من حرب الناقلات

تعود جذور هذه الرؤية إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا خلال حرب الناقلات التي شهدتها الحرب العراقية-الإيرانية. في تلك الفترة، تحولت مياه الخليج العربي إلى ساحة لاستهداف ناقلات النفط بشكل مباشر، مما دفع الرياض إلى إدراك مبكر لهشاشة الاعتماد الكلي على مضيق هرمز كشريان حيوي وحيد للتصدير والاستيراد. لقد كشفت الهجمات العراقية على الموانئ النفطية الإيرانية، ورد طهران باستهداف ناقلات النفط الخليجية، حجم المخاطر الجسيمة المرتبطة بهذا الممر المائي الاستراتيجي. ويبدو أن هذه التجربة تركت بصمة واضحة في أذهان صناع القرار السعوديين، لتشكل حجر الزاوية في بناء استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز المرونة والأمن الاقتصادي.

رؤية 2030 وميناء نيوم: محور التحول

في هذا السياق، جاء تطوير ميناء ضباء وتحويله إلى “ميناء نيوم” كجزء أساسي من “رؤية 2030” التي أطلقتها السعودية عام 2016. تهدف الرؤية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية، ويعد ميناء نيوم أحد ركائزها اللوجستية. تزداد أهمية نيوم بفضل موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، بالقرب من موانئ مصرية حيوية مثل سفاجا وشرم الشيخ، وعلى مقربة من قناة السويس. هذا الموقع يعزز من فرص اندماجه في مسارات الشحن الإقليمية والدولية، ويتيح مسارات تجارية جديدة تربط أوروبا بمنطقة الخليج العربي عبر البحر الأحمر ثم عبر النقل البري، وهو ما يؤكده الخبراء.

تجسيد الرؤية: الممر التجاري الجديد

تجسد هذا التوجه الاستراتيجي بوضوح في الإعلان الأخير عن ممر تجاري يربط أوروبا بمصر ثم ميناء نيوم، قبل أن يمتد برًا إلى دول الخليج. هذا الإعلان يعكس انتقال المشروع من مرحلة التصور إلى مسار التنفيذ الفعلي، ويأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتجدد المخاوف بشأن مضيق هرمز، الذي لا يزال ممرًا حيويًا لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ومع ارتفاع احتمالات تعطل الملاحة أو تقييدها، تتزايد أهمية إيجاد بدائل أكثر استقرارًا وأمانًا.

تعزيز البنية التحتية والربط اللوجستي

يرى الكاتب والمحلل السياسي والعسكري، عبداللطيف الملحم، أن التطورات الراهنة تدفع السعودية نحو تسريع وتيرة الربط بين شرق المملكة وغربها عبر شبكة متكاملة من الطرق والسكك الحديدية، تصل الدمام والرياض بجدة مرورًا بمدن رئيسية. ويؤكد الملحم أن هذه المشاريع تندرج ضمن أولويات رؤية 2030، ويتجلى ذلك أيضًا في تطوير ميناء نيوم لدعم عمل موانئ رئيسية أخرى مثل جدة الإسلامي وينبع وجيزان. ويضيف أن حداثة ميناء نيوم تمنحه مرونة أكبر للتوسع، سواء في قدرته على استقبال أنواع مختلفة من البضائع أو في تكامله مع النقل الجوي عبر ربطه بمطار شحن، مما يسرّع توزيع السلع داخل المملكة، خاصة الشحنات التي تتطلب سرعة في النقل.

ويشير الملحم إلى أن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز تستدعي التفكير في حلول طويلة الأمد، منها إنشاء مراكز تجميع داخلية في مدن مثل الأحساء وحائل، ترتبط بشبكة قطارات لنقل البضائع إلى موانئ البحر الأحمر ومنها إلى الأسواق العالمية. ويلفت إلى أن المملكة بدأت بالفعل في الاستفادة من هذا المسار، حتى من خلال الوسائل المتاحة حاليًا، مثل النقل البري من ميناء جدة إلى بعض دول الخليج. كما يبرز أهمية خط أنابيب الشرق – الغرب، الذي مكن السعودية من الحفاظ على تدفقات نفطية تتجاوز خمسة ملايين برميل يوميًا، حتى مع تنامي المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، مما ساهم في دعم استقرار السوق العالمية. ومع ذلك، تشير دراسات حديثة إلى أن السعودية والإمارات، من بين دول الخليج، تستطيعان الاستغناء عن هرمز بقدر جزئي في الوقت الراهن لتصدير النفط.

الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية لميناء نيوم

في 15 أبريل، نشر الحساب الرسمي لشركة “نيوم” على منصة “إكس” تغريدة جاء فيها: “أوروبا – مصر – نيوم – الخليج: طريقك الأسرع”، مرفقة بخريطة توضح ممرات تمتد من أوروبا عبر ميناءي دمياط وسفاجا في مصر إلى ميناء نيوم، قبل أن تتفرع برًا نحو الكويت والعراق والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان.

ويرى الكاتب والباحث السياسي، أحمد البراهيم، أن التوجه السعودي نحو البحر الأحمر سبق التطورات الأخيرة، وجاء نتيجة تقدير مبكر لمخاطر الاعتماد على منفذ واحد مثل مضيق هرمز في بيئة إقليمية ودولية مضطربة. ويؤكد أن المملكة مضت في تطوير مسارات موازية، من بينها خط الشرق – الغرب وميناء ينبع، مما وفر لها هامشًا أكبر للمناورة في أوقات الأزمات، على الرغم مما ينطوي عليه البحر الأحمر نفسه من تحديات، وخصوصًا في باب المندب. وبحسب البراهيم، فإن هذا المسار يعكس سياسة تقوم على توزيع المخاطر بين أكثر من ممر. ويضيف أن ميناء نيوم لا يُطرح كبديل مباشر لمضيق هرمز في تجارة النفط، وإنما يندرج ضمن توجه أوسع يستهدف تعزيز موقع المملكة كمركز لوجستي وصناعي. ويرى أن أهمية الميناء تكمن في توسيع الخيارات أمام صانع القرار ورفع مستوى المرونة الاستراتيجية، مما يجعله جزءًا من ركيزة طويلة الأمد في معادلة الأمن الاقتصادي والسياسي.

من جهته، يرى الاقتصادي السعودي إبراهيم المالك أن التطورات الأخيرة أبرزت أهمية توافر بدائل جاهزة، خصوصًا مع عبور نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، مما يجعل أي اضطراب فيه مؤثرًا مباشرة في الأسواق العالمية. ويضيف أن المملكة لم تستفد من الحرب بالمعنى التقليدي، لكنها استفادت من جاهزيتها المسبقة. فالموانئ المطلة على البحر الأحمر، مثل ميناء جدة الإسلامي وموانئ ينبع، ساعدت في الحفاظ على استمرارية التدفقات وإعادة توجيهها، في وقت واجهت فيه دول أخرى اختناقات. ويشير إلى أن هذه الموانئ، مع توسعها وارتباطها بشبكات النقل الداخلية، تؤدي أدوارًا تتجاوز التصدير، لتشمل خدمة الأسواق الإقليمية ودعم سلاسل الإمداد العالمية. وقال إن تحول المملكة إلى مركز يربط ثلاث قارات يتطلب موانئ أكثر تكاملًا مع شبكات النقل، مؤكدًا أن ميناء نيوم يندرج ضمن منظومة البحر الأحمر كأداة لتنويع المسارات، لا كبديل منفرد لمضيق هرمز. وأضاف أن الجدوى تكمن في بناء شبكة تضم موانئ متعددة وروابط نقل داخلية ومناطق لوجستية، بما يتيح إعادة توجيه الحركة التجارية عند الحاجة ويقلل الاعتماد على ممر واحد.

بقلم: سكينة المشيخص – كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *