بعد أيام قليلة من حادثة اختطاف الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، المعروفة بتغطيتها الموضوعية للأحداث في العراق وسوريا لسنوات، تم إطلاق سراحها من قبل تنظيم كتائب حزب الله العراقي المدعوم من إيران. جاء هذا الإفراج، على الأرجح، نتيجة لضغوط أميركية مكثفة.
في أعقاب الحادثة، أعلنت الحكومة العراقية عن اعتقال أحد المتورطين وتعهدت بملاحقة بقية الخاطفين، لكنها امتنعت عن الكشف عن هوية الجهة الخاطفة. هذا الكشف جاء لاحقًا عبر تغريدة لوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو. وفي سياق إشادته بالجهود الأميركية-العراقية المشتركة التي أفضت إلى إطلاق سراح كيتلسون، كان لافتًا غياب ذكر الحكومة العراقية والاكتفاء بالإشارة إلى السلطة القضائية العراقية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى.
تحديات الحكومة العراقية في ظل الصراع الإقليمي
تجد الحكومة العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني، نفسها في موقف بالغ التعقيد والحساسية منذ اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير الماضي. تبدو الحكومة عاجزة عن كبح جماح الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تستهدف المصالح الأميركية داخل العراق، بما في ذلك الشركات والمقرات الدبلوماسية والقواعد العسكرية التي يتواجد فيها الجنود الأميركيون. كما تمتد هذه الهجمات لتطال دولًا حليفة في الجوار الإقليمي، مثل الكويت والمملكة العربية السعودية.
في خضم هذه التحديات، تبنت الحكومة خطابًا رسميًا مزدوجًا: فمن جهة، تدعم الفصائل (التي تعمل ضمن الحشد الشعبي وخارجه) بمنحها “حق الرد والدفاع عن النفس” ضد الهجمات التي تستهدفها، ومن جهة أخرى تدين الهجمات دون تسمية الولايات المتحدة كطرف مهاجم. وفي محاولة لردع الفصائل المسلحة، أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة أمنية عليا أميركية-عراقية بهدف “تكثيف التعاون لمنع الهجمات الإرهابية وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي عدوان ضد الشعب العراقي، والقوات الأمنية العراقية والمرافق والأصول الاستراتيجية العراقية، وكذلك ضد الأفراد الأميركيين والبعثات الدبلوماسية والتحالف الدولي.”
مأزق السوداني السياسي وتأثيره على المشهد
تنبع الصعوبة التي يواجهها رئيس الوزراء السوداني من كونه يرأس حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، ومن انتظاره حسم مصير ترشيحه لولاية ثانية. خلال هذه الفترة الانتقالية الممتدة منذ أكتوبر/نوفمبر الماضي، يتجنب السوداني، شأنه شأن أسلافه في ظروف مماثلة، اتخاذ قرارات حاسمة قد تثير غضب القوى الشيعية النافذة ضمن الإطار التنسيقي، التي يمكنها ببساطة عرقلة ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء. من جانبها، تسعى هذه القوى، وبدعم إيراني على الأرجح، إلى تأخير حسم الترشيح لانتزاع أقصى قدر من التنازلات والفوائد من السوداني في هذه المرحلة الضعيفة، بما في ذلك ضمان صمت الحكومة على تحويل العراق إلى ساحة صراع لصالح إيران.
الموقف الأميركي ومستقبل العلاقة مع العراق
على الجانب الآخر، يقوض رفض السوداني اتخاذ خطوات جادة ضد الفصائل المسلحة الدعم السياسي الذي يحظى به من واشنطن. الإدارة الأميركية مستاءة من هذا الرفض، ومن المرجح ألا تدعمه لتجديد ولايته. هذا لا يعني بالضرورة انتهاء فرص السوداني، بل قد يدفعه إلى إعادة ترتيب تحالفاته، مستثمرًا في علاقته المتنامية مع إيران وفصائلها المسلحة لتأمين التجديد. لا تزال هذه المعركة السياسية محتدمة داخل الإطار التنسيقي، حيث تتشابك المصالح الفئوية، ويحظى السوداني ببعض التأييد هناك.
تحديد المصلحة الوطنية العراقية
بعيدًا عن هذا الصراع الضيق على المصالح الحزبية، يبرز سؤال جوهري بقوة غير معتادة في ظل تحول العراق فعليًا، وإن لم يكن رسميًا، إلى ساحة إسناد عسكري لإيران وإشغال للولايات المتحدة. جوهر هذا السؤال هو: أين يقف العراق، كدولة، في الحرب الدائرة بين أميركا وإيران، وفي الصراع الأميركي-الإيراني طويل الأمد؟ وأين تكمن المصلحة الوطنية العراقية بالضبط في خضم هذا الصراع الأوسع؟
لطالما اعتاد الساسة العراقيون الرسميون التأكيد على حياد العراق في هذا الصراع، بل وادعاء أنه أحد ضحاياه، حيث وجد نفسه فيه دون إرادته. لكن هذه الادعاءات بالحياد والضحية البريئة لم تكن مقنعة على الإطلاق على مدى سنوات الصراع. فالعراق يقف عمليًا، منذ سنوات، إلى جانب إيران، التي استفادت من هشاشة الدولة العراقية ونشرت نفوذها عبر فصائل مسلحة وسياسيين موالين، ونسجت شبكة معقدة من المصالح تربط القوى السياسية العراقية النافذة بالمصالح الإيرانية.
فشل الجهود الأميركية السابقة ودروس الحرب الحالية
في الأثناء، وعلى مدى إدارات أميركية متعاقبة، تركزت الجهود الأميركية، من خلال وسائل ضغط سياسية ومالية، على إبعاد العراق عن دائرة النفوذ الإيراني والحفاظ عليه كحليف، حتى لو كان حليفًا ضعيفًا، لكن الأهم ألا يكون تابعًا لإيران. وبالرغم من ضخامة أدوات التأثير الأميركية، باءت هذه الجهود بالفشل بسبب غياب الرؤية والتركيز الفعال.
جاءت هذه الحرب الأخيرة لتكشف عمق النفوذ الإيراني في العراق، والجرأة والتنظيم العاليين للأدوات العراقية التي يعمل من خلالها هذا النفوذ. ربما يكون هذا هو الدرس الأبرز لهذه الحرب فيما يتعلق بتبعية العراق لإيران. فبالرغم من الرفض العراقي الواسع، الشعبي والمؤسساتي، وحتى السياسي غير المعلن، للدخول في هذه الحرب، استطاعت أقلية ميليشياوية وسياسية نافذة، تتسم بالتنظيم والإصرار، أن تجعل العراق يقاتل أميركا دفاعًا عن المصالح الإيرانية في حرب خاسرة سيتضرر منها العراق في نهاية المطاف، خصوصًا في ظل الاصطفاف الإقليمي والدولي الكبير ضد إيران، التي من المرجح أن تخرج ضعيفة وجريحة ومحاصرة من هذه الحرب، ما لم تقدم تنازلات عميقة تحول الجمهورية الإسلامية من مشروع أيديولوجي توسعي إلى دولة عادية تهتم بشؤونها الداخلية.
إعادة تقييم العلاقة العراقية-الأميركية
من المنظور الأميركي، قد تكون مشاركة العراق في هذه الحرب إلى جانب إيران واستهداف المصالح الأميركية والخليجية، رغم إرادته الرسمية، بمثابة جرس إنذار يدفع الإدارة الأميركية وحلفائها الخليجيين إلى ضرورة تركيز جهودهم وتنظيمها لتحديد طبيعة علاقتهم بالعراق. فهل يستمر النهج الأميركي السابق، الذي ثبت فشله، والقائم على تقوية المؤسسات العراقية الرسمية وشاغليها للوقوف ضد النفوذ الإيراني؟
إحدى أهم المؤسسات العراقية التي استثمرت فيها أميركا بهذا الصدد هي رئاسة الوزراء، التي، بحسب التصور الأميركي وبسبب طبيعتها التنفيذية المباشرة، تميل إلى البراغماتية لتواصلها المستمر مع المجتمع وحتمية تعاملها مع العواقب السلبية للسياسات الخاطئة (مثل المشاكل الاقتصادية والخدمية وشح الموارد المالية). لكن في هذه الحرب، ظهر هذا الاستثمار عقيمًا، إذ انضمت هذه المؤسسة، تحت وطأة الضغوط والمخاوف والحسابات المصلحية الفردية، إلى الرغبات الإيرانية بتحويل العراق إلى جبهة قتال ضد الولايات المتحدة.
على الأرجح، ستعيد تجربة هذه الحرب بعد نهايتها الحسابات الأميركية بخصوص العراق وكيفية التعامل معه لحسم نوعية العلاقة معه. في هذا السياق، يبدو منطقيًا أن تتجه الولايات المتحدة، مدفوعة أيضًا بغضب خليجي متصاعد ضد عراق تهيمن عليه إيران، نحو مواجهة مباشرة للنفوذ الإيراني عبر استهداف تمثلاته العراقية: المؤسساتية والسياسية والاقتصادية والمسلحة، كما في الحشد الشعبي، وذلك باستخدام مزيج مركز من الضغط المالي والسياسي والعسكري.
يبقى السؤال الأهم هنا: هل تستطيع واشنطن، المشغولة بملفات أخرى كثيرة تبدو أكثر أهمية من العراق، أن تطور هذا التركيز وتديمه بخصوص العراق أم لا؟
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).
عقيل عباس، زميل أول غير مقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، يركز في أبحاثه على الهويات الوطنية والدينية وقضايا الحداثة ومسارات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق