قوات باكستانية وطائرات مقاتلة في مناورات عسكرية بالشرق الأوسط
السياسة

باكستان: لاعب صاعد في الشرق الأوسط بين الوساطة العسكرية والتحالفات الإقليمية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في خضم تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، برزت باكستان كلاعب محوري يسعى لتعزيز نفوذه وتوسيع دوره. يأتي ذلك بالتزامن مع وصول قوات عسكرية باكستانية إلى المملكة العربية السعودية، واستضافتها لمحادثات حساسة بين الولايات المتحدة وإيران بهدف احتواء الصراع الدائر منذ فبراير الماضي.

هذا الحضور الأمني المتزايد لإسلام آباد في المنطقة يتزامن مع توترات غير معلنة في علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة، التي طالبت باستعادة وديعة مالية ضخمة، ليتدخل بعدها كل من الرياض والدوحة بتقديم دعم مالي كبير لباكستان، في خطوة فُسرت على أنها رد إقليمي. وبين استضافة محادثات واشنطن وطهران وتعزيز حضورها الأمني في الخليج، تتحرك باكستان بثبات لاستغلال “اللحظة المناسبة” لتوسيع دورها، مستفيدة من شبكة علاقات نسجتها على مدى سنوات مع أطراف متنافسة.

تعزيز الوجود العسكري والدبلوماسية النشطة

في الحادي عشر من أبريل، أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن وصول طائرات مقاتلة وقوات عسكرية باكستانية إلى المملكة. يأتي هذا التحرك في إطار اتفاقية دفاع مشترك وُقعت بين البلدين في سبتمبر الماضي، والتي تنص على اعتبار أي عدوان على أحدهما هجومًا على الطرفين معًا.

وفي هذا السياق، يرى كامران بخاري، المدير الأول في معهد نيو لاينز، أن باكستان أصبحت “لاعبًا صاعدًا في الشرق الأوسط“. ويضيف أن تعزيز الوجود العسكري الباكستاني في السعودية يمثل “رسالة رمزية لإيران: نحن نعمل على الوساطة، لكننا أيضًا حلفاء للسعودية”.

تتزامن هذه التطورات مع جولة إقليمية لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي بدأ زيارته بجدة، ثم الدوحة، ومن المقرر أن يتوجه إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية ولقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وفي موازاة ذلك، تشير تقارير إلى احتمال عقد جولة ثانية من مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد قريبًا.

من جانبه، يوضح المستشار الأمني والخبير العسكري السعودي، محمد القبيبان، أن “وجود القوات الباكستانية في السعودية لا يستهدف دولة بعينها، بل يندرج ضمن مفهوم الردع والتحسب لأي تطورات قد تخرج عن السيطرة”. ويؤكد أن “العلاقات بين باكستان وإيران جيدة، وهذا التحرك غير موجه ضد طهران، بل يندرج ضمن إطار الدفاع المشترك وتعزيز التنسيق العسكري بين باكستان والسعودية”.

ويشير اللواء السعودي المتقاعد، محمد بن صالح الحربي، إلى أن “وجود القوات الباكستانية في قاعدة الملك عبدالعزيز يهدف لرفع مستوى الجاهزية وتعزيز المناورات والتدريب المشترك”. ويلفت الحربي إلى أن المعاهدة الموقعة بين السعودية وباكستان تفسر “أهمية التوقيت الحالي في ظل مرحلة إقليمية تتسم بالتوتر والغموض”.

تداعيات الخلافات الخليجية على باكستان

لم تحظ تحركات إسلام آباد في المنطقة بقبول الإمارات، التي تختلف مع السعودية في العديد من الملفات الإقليمية، من اليمن إلى الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا. وقد امتدت هذه الخلافات لتؤثر على باكستان.

ففي خطوة مفاجئة، طالبت أبوظبي من إسلام آباد سداد وديعة بقيمة 3.5 مليار دولار تعود لعام 2018 دون تأجيل، ما وضع باكستان في موقف اقتصادي حرج. قوبلت هذه الخطوة الإماراتية بتحرك سعودي يهدف إلى تخفيف الضغط على باكستان، حيث أعلنت الرياض، الخميس، عن تمديد أجل وديعة بقيمة خمسة مليارات دولار لدى البنك المركزي الباكستاني، وأعلنت عن وديعة إضافية بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

يعلق أفق حسين، الزميل الأقدم في المجلس الأطلسي، بأن “توقيع الاتفاقية الأمنية بين باكستان والسعودية أعطى انطباعًا بأن إسلام آباد تميل أكثر نحو الرياض، خاصة في ظل الخلاف السعودي-الإماراتي بشأن اليمن”. ويضيف أن “باكستان حافظت على موقف محايد خلال الحرب الأخيرة، ولم تنحز بالكامل إلى دول الخليج، بل أبقت قنواتها مفتوحة مع إيران، ما زاد من التوتر مع الإمارات”.

ويرى القبيبان أن سحب الوديعة الإماراتية، مقابل الدعم السعودي والقطري لباكستان في هذا التوقيت الحرج، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها باكستان، قد يُفهم على أنه نوع من ممارسة الضغوط. ويضيف أن دعم السعودية لباكستان “لا يمكن تفسيره على أنه استعداء أو مكايدة للإمارات، بل يندرج في جوهره ضمن تعاون استراتيجي مع دولة شقيقة وعضو في العالم الإسلامي وترتبط مع دول الخليج بعلاقات واسعة في مختلف المجالات”.

في المقابل، يرى بخاري أن “باكستان عالقة بين الإمارات والسعودية في خلافهما، فوجهتا نظر الرياض وأبوظبي، خاصة بعد الخلاف الذي برز خلال حرب اليمن، أدّتا إلى تباعد في المصالح بين العاصمتين، وباكستان حليفة لكليهما”. ويضيف أن “باكستان تعتمد على البلدين في المساعدات المالية، وكذلك في الحصول على النفط بأسعار تفضيلية، وعندما يبدأ حليفان لك بالدخول في صراع، تجد نفسك في المنتصف، والتعامل مع هذا الوضع يشكّل تحديًا كبيرًا”.

الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لباكستان

لا تمتلك باكستان قوة اقتصادية كبيرة، لكن أهميتها تأتي من كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قنابل نووية، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة مع قوى متنافسة. فعلى سبيل المثال، هي من الدول القلائل التي تمتلك علاقات استراتيجية مع كل من الولايات المتحدة والصين في آن واحد.

داخليًا، لدى باكستان أقلية شيعية كبيرة تصل إلى نحو 20% من السكان، ما يفرض عليها مراعاة هذا العامل، خاصة أن هناك تعاطفًا مع إيران داخل هذه الشريحة. كما أن المزاج العام في البلاد، حتى بين الأغلبية السنية، يتسم بمشاعر معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعزز نوعًا من التعاطف مع إيران، وإن كان أقل حدة مما هو في الأوساط الشيعية. ويشير بخاري إلى أن “القيادة الحالية، سواء العسكرية أو السياسية، نجحت في إدارة هذا التوازن بشكل جيد حتى الآن، دون ظهور تداعيات خطيرة”.

اقتصاديًا، تعتمد باكستان على دول الخليج بشكل أساسي في مجال النفط والمسائل المتعلقة بالتجارة عمومًا. وهناك عامل آخر بالغ الأهمية في علاقة باكستان بدول الخليج، وهو الجاليات الباكستانية الكبيرة التي تعمل هناك. فملايين الباكستانيين في دول الخليج يرسلون تحويلات مالية تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا، والتي أصبحت مصدرًا أساسيًا للدخل في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في باكستان. ووفق بيانات البنك المركزي الباكستاني، بلغت التحويلات الرسمية نحو 3.8 مليار دولار في مارس 2026 وحده.

بالإضافة للسعودية، تتمتع باكستان بعلاقات جيدة مع تركيا، التي تعتبر إلى جانب الرياض من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. ومع الاستراتيجية الجيوسياسية الجديدة التي تعتمدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تقوم على تقاسم الأعباء، تعتمد واشنطن على السعودية وتركيا لتولي مسؤولية الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مع دور أميركي ثانوي. ويرى بخاري أن السعودية أدخلت باكستان في هذا المحور عبر اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، كما أن “الولايات المتحدة دفعت باكستان للعب دور الوسيط مع إيران، لذلك، يمكن القول إن باكستان أصبحت لاعبًا صاعدًا في الشرق الأوسط”.

آفاق المستقبل: وساطة أم انخراط عسكري؟

من هنا، بات واضحًا أن حجم الروابط بين باكستان ومنطقة الخليج آخذ بالتوسع، ليشمل الوجود العسكري، وعدم الاقتصار على الاقتصاد والسياسة. ويقول المستشار السياسي والدولي البحريني أحمد الخزاعي إن “باكستان تنظر إلى استقرار الخليج بوصفه ركيزة أساسية لاستقرارها، خاصة مع وجود ملايين من مواطنيها العاملين في دول الخليج”.

على الجانب الآخر، تتواصل المساعي الباكستانية لوقف الحرب بشكل نهائي. فقد زار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يقوم بدور محوري في الوساطة، طهران الأربعاء، في محاولة لمنع تجدد الصراع، مع ورود إشارات إيجابية من الولايات المتحدة وإيران بشأن العودة لطاولة الحوار. ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانية لاستئناف الحرب في حال وصلت المفاوضات لطريق مسدود، ما قد يضع باكستان أمام احتمال الانخراط بشكل أكبر في النزاع.

تعمل القوات الباكستانية في السعودية حاليًا على حماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية من الهجمات الإيرانية الصاروخية وبالطائرات المسيرة. “كل شيء يعتمد على مسار الأحداث، فإذا فشلت الجهود الدبلوماسية وتصاعدت المواجهة، قد تجد باكستان نفسها منخرطة عسكريًا داخل السعودية،” يقول بخاري. ويضيف الخزاعي: “لا يمكن الجزم بشأن طبيعة هذا الانخراط الباكستاني، لكن إسلام آباد على الأغلب ستحاول إيجاد موازنة وتكون حذرة للغاية كي لا تنجر لمواجهة مباشرة مع إيران”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *