في مشهد سياسي أمريكي يتسم بالديناميكية، تبرز حركات جديدة تسعى لإعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة والقضية الفلسطينية، متحدية بذلك نفوذ جماعات الضغط التقليدية. في قلب هذا الحراك يقف كيسي كينيدي، الذي لا تربطه أي صلة شخصية بمنطقة الشرق الأوسط، إلا أنه أصبح صوتاً مؤثراً في مواجهة إحدى أقوى اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.
منصة رقمية لكسر حاجز الصمت
بدأت رحلة كينيدي من خلال فضوله حول تأثير المال في السياسة الأمريكية، حيث لفتت انتباهه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً بـ “أيباك”. ومع تصاعد حدة الصراع في غزة، تعمق كينيدي في السجلات العامة لتمويل الحملات الانتخابية، ليكشف عن حجم الدعم المالي الذي يتلقاه السياسيون الأمريكيون من جهات ومنظمات مؤيدة لإسرائيل.
يقول كينيدي لبي بي سي: “بدأت ببساطة أبحث في السجلات العامة لتمويل الحملات”. أطلق على إثر ذلك حساباً على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، حيث نشر رسوماً بيانية توضح أسماء السياسيين ومبالغ الدعم التي حصلوا عليها. سرعان ما حظي مشروعه، الذي أطلق عليه اسم “تراك أيباك” (رصد أيباك)، بانتشار واسع، ليجمع 100 ألف متابع في شهره الأول، مدفوعاً برفضه لنفوذ كبار المتبرعين في المشهد السياسي الأمريكي.
ويوضح كينيدي: “لطالما تمحورت قناعاتي السياسية حول مكافحة الفساد”. فبعد أن خاض حملات مماثلة ضد نفوذ شركات الوقود الأحفوري والأدوية، دفعته صور الحرب المروعة في غزة إلى تركيز جهوده على الدعم الأمريكي لإسرائيل.
شراكة استراتيجية لتغيير المشهد
في التوقيت ذاته، كانت كوري أرشيبولد، وهي أمريكية أخرى ذات خبرة في الحملات الانتخابية وعملت ضمن فريق إطلاق منظمة “جاستس ديموكراتس” التقدمية، تسعى لمعالجة القضية من منظور مختلف. بعد سنوات من العيش والعمل في الشرق الأوسط وتكوين صداقات مع فلسطينيين، تزايد إحباط أرشيبولد من استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل في ظل الدمار الذي تشهده غزة. أيقنت أن الاحتجاجات والضغط الشعبي وحدهما لا يكفيان، وقررت السعي للتأثير مباشرة في تشكيل الكونغرس.
تقول أرشيبولد: “وهكذا وضعت لنفسي هدفاً: أن أجعل التعامل مع أيباك عبئاً سياسياً، وأن أجعل العمل معها أمراً ساماً سياسياً”. وبينما كانت تعمل على تأسيس لجنة عمل سياسي (PAC)، التقت بكينيدي. قرر الاثنان توحيد جهودهما، ليجمعا بين منصة كينيدي الرقمية وخبرة أرشيبولد في إدارة الحملات.
اليوم، يدعم “تراك أيباك” المرشحين ويمولهم من خلال لجنة العمل السياسي التابعة له، ليصبح جزءاً من شبكة متنامية من المجموعات السياسية التي تهدف إلى دعم السياسيين الأمريكيين المستعدين لتحدي عقود من الدعم الأمريكي لإسرائيل. بعض هذه المجموعات تنبع من مجتمعات الأمريكيين من أصل فلسطيني، بينما يقود أو يدعم البعض الآخر أمريكيون لا تربطهم صلة شخصية مباشرة بالمنطقة.
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ترى هذه المجموعات فرصة ليس فقط لتغيير الوجوه في الكونغرس، بل لتغيير توجهات قراراته أيضاً.
آليات التأثير المالي في الانتخابات الأمريكية
في الولايات المتحدة، يُعد التمويل عنصراً حيوياً للحملات الانتخابية، من الإعلانات التلفزيونية إلى رواتب فرق العمل وجهود حشد الناخبين. وتسمح لجان العمل السياسي (PACs) للمجموعات بجمع التبرعات وإنفاقها لدعم أو معارضة المرشحين. أما “اللجان الكبرى” (Super PACs)، فيمكنها تلقي تبرعات غير محدودة وإنفاق ملايين الدولارات على الإعلانات المؤيدة أو المعارضة للسياسيين، شريطة عدم التنسيق المباشر مع حملات المرشحين. تتولى لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية الإشراف على هذه القواعد.
يبرز تأثير هذه اللجان بشكل خاص في الانتخابات التمهيدية، حيث يختار الناخبون ممثليهم الحزبيين. ففي العديد من الدوائر التي يهيمن عليها الديمقراطيون أو الجمهوريون، يكاد الفوز في الانتخابات التمهيدية يضمن الفوز في الانتخابات العامة.
لطالما كانت “أيباك” فاعلة بقوة في هذه المعارك. فقد أنفقت لجنتها الكبرى، “مشروع الديمقراطية المتحدة”، مبالغ طائلة لدعم المرشحين الذين تعتبرهم مؤيدين لإسرائيل، ومواجهة منتقديها. وبحسب أرقام تمويل الحملات التي نقلتها إذاعة “إن بي آر” الأمريكية، تجاوز إنفاق “مشروع الديمقراطية المتحدة” 53 مليون دولار بشكل مستقل في الدورة الحالية. ويرى معارضو “أيباك” أن هذا الإنفاق جعل المنافسة صعبة للغاية على المرشحين المنتقدين لإسرائيل، لكنهم اليوم يسعون لتحديها باستخدام الأدوات ذاتها.
تحول في المشهد الانتخابي: استراتيجيات جديدة
لسنوات طويلة، لم تواجه “أيباك” معارضة منظمة تذكر في المواسم الانتخابية. ويشير أسامة أندرابي، المتحدث باسم منظمة “جاستس ديموكراتس” التقدمية، إلى أن انتخابات عام 2024 شكلت ذروة نفوذ “أيباك”، حيث خسر اثنان من أبرز منتقدي إسرائيل في الكونغرس، كوري بوش وجمال بومان، الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بعد حملات إنفاق ضخمة من مجموعات مدعومة من “أيباك”. يقول أندرابي إن الكثيرين “شطبوا اليسار والتقدميين بعد تلك الهزائم”.
لكن الصورة تبدو مختلفة هذه المرة. فقد تأسست لجنة “أمريكان برايوريتيز” (أولويات أمريكية)، وهي لجنة سياسية كبرى جديدة، وبدأت الإنفاق مطلع عام 2026، وتتوقع أن يصل إنفاقها إلى نحو 10 ملايين دولار بنهاية الدورة الانتخابية. كما ظهرت لجنة “السلام والمساءلة والقيادة” (PAL PAC) في عام 2026.
لا تتوقع أي من هذه المجموعات مجاراة “أيباك” في حجم الإنفاق، بل تختار معاركها بعناية فائقة. يتركز اهتمامها على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدوائر التي يكاد الفوز فيها يضمن مقعداً في الكونغرس. يوضح كينيدي أن “تراك أيباك” يبحث عن سباقات “تكون فيها الفوارق ضئيلة جداً، ويمكننا التأثير فيها دون أن نضطر إلى إنفاق ملايين الدولارات كما تفعل أيباك”.
وتضيف أرشيبولد أن دعم هذا العدد الكبير من المرشحين يهدف أيضاً إلى “إرباك أيباك”، وإجبارها على توزيع أموالها على عدد أكبر من السباقات. وإذا نجح عدد كافٍ من مرشحيهم، فهم يأملون في بناء كتلة من المشرعين قادرة على تحدي الدعم الأمريكي لإسرائيل من داخل أروقة الكونغرس.
“الأمر لا يتعلق باليهود”: منظور جديد في النقاش
غريغ كريغ، المتحدث باسم “أمريكان برايوريتيز”، التي أصبحت من أبرز المنافسين الماليين لـ “أيباك”، يقدم منظوراً مهماً. كريغ، وهو أمريكي يهودي، يؤكد أن هويته تؤثر في نظرته للجدل الدائر حول إسرائيل والفلسطينيين.
يقول لبي بي سي: “دولة إسرائيل لا تمثل جميع اليهود”. ويشبّه انتقاد الحكومة الإسرائيلية بانتقاد الحكومة الأمريكية، مؤكداً أن الاختلاف مع الرئيس دونالد ترامب، على سبيل المثال، لا يجعل المرء معادياً لأمريكا، وبالمنطق نفسه، لا ينبغي اعتبار معارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية تلقائياً معاداةً للسامية.
يقر كريغ بأن معاداة السامية مشكلة حقيقية في الولايات المتحدة، وأن بعض المخاوف المشروعة تُثار حول الحراك الذي يمثله. لكنه يرى أن آخرين يستغلون تهمة معاداة السامية لتشويه أي انتقاد لسياسات الحكومة الإسرائيلية. ويصرح: “أتحدث بوصفي يهودياً فخوراً في الولايات المتحدة، لكن الأمر لا يتعلق باليهود في الولايات المتحدة”.
ويشير كريغ إلى أن الغالبية الساحقة من متبرعي منظمته هم أمريكيون مسلمون، لكن من بين داعميها أيضاً أمريكيون يهود ومتبرعون صغار وموظفون. هدف المنظمة هو ضمان حصول المرشحين الذين يشككون في الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل على تمويل كافٍ لمنافسة الشخصيات السياسية الأكثر رسوخاً.
تفيد “أمريكان برايوريتيز” بأن المرشحين الذين دعمتهم فازوا في 11 من أصل 12 سباقاً شاركت فيها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك آدم حماوي، الجراح الأمريكي من أصل مصري والمحارب السابق في الجيش الأمريكي، الذي قدم مساعدة طبية في غزة، وفاز بترشيح الحزب الديمقراطي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق