تطلعات المواطن المغربي: بوصلة أولويات البرنامج الحكومي الجديد
مع ترقب الإعلان عن برنامج حكومي جديد، يبرز تساؤل جوهري حول مدى توافق هذه الأولويات مع تطلعات المواطنين المغاربة. ففي ظل ظروف إقليمية ودولية متقلبة، وتصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يزداد اهتمام الشارع المغربي بمضامين هذا البرنامج، الذي يُنتظر منه أن يرسم ملامح المرحلة المقبلة. ويُعد هذا البرنامج، الذي يأتي في سياق استكمال مسار الإصلاحات الكبرى وتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحقيق التوازن بين الوفاء بالالتزامات الانتخابية وتلبية الحاجيات اليومية للمواطنين، وبين دعم المشاريع الاستراتيجية الطموحة التي تعزز التنافسية الوطنية. فكيف ينظر المواطن المغربي إلى هذه الأولويات، وما هي أبرز تأويلاته وطموحاته؟
تثبيت المكتسبات: تحدي كلفة المعيشة اليومية
يظل الهاجس الأكبر للمواطن، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود، هو تحسين ظروف المعيشة اليومية. فبعيداً عن تعقيدات النقاشات السياسية والتشريعية، ينصب اهتمام المواطن على قضايا ملموسة كارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وتكاليف التعليم والصحة. يرى المواطن في البرنامج الحكومي فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع هذه القضايا في صلب الاهتمام. إن التركيز على “الأثر الاقتصادي والاجتماعي” للإصلاحات، كما أكد الخطاب الحكومي، يعد خطوة إيجابية، شريطة أن تترجم هذه الشعارات إلى تغيير ملموس في حياة الأفراد، وأن تضمن جودة الوصول إلى الخدمات الأساسية كحق لا كامتياز.
إصلاح منظومة تشغيل الشباب: من الكم إلى الكيف
تُعد فئة الشباب من أكثر الفئات تعبيراً عن تطلعاتها، وهي التي غالباً ما ترى في الإصلاحات الحكومية مجرد وعود لا ترقى إلى مستوى الواقع. إن التحديات التي يواجهها الشباب، والتي تجلت في حركات احتجاجية وتطلعات للهجرة، تستدعي مقاربة حكومية مغايرة. لا يقتصر الأمر على زيادة نسب الإدماج في سوق الشغل فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى نوعية فرص العمل، وشروطها، ومدى استدامتها. يطمح الشباب اليوم إلى تعزيز مداخل التكوين التي تتجاوز المهن التقليدية، وتواكب التطورات المعرفية والمهارية، مع تطوير آليات المواكبة التي تعمق علاقة الشباب بالمجتمع وتمنحهم أدوات جديدة للتعبير عن ذواتهم. يتطلب هذا إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات المعنية بإدماج الشباب، من الأسرة والمدرسة إلى سوق الشغل، لضمان مستقبل أفضل لهذه الفئة الحيوية.
التنمية الترابية المندمجة: تجاوز الشعارات نحو الأجرأة
غالباً ما يرى المواطن في مفاهيم مثل “التنمية الترابية المندمجة” و”الدولة الاجتماعية” مجرد شعارات عامة لا تلامس جوهر الأزمات المحلية المتشابكة (التعليم، الصحة، الشغل، النقل، القرب من المركز، الحكامة المحلية). إن التحدي الأكبر أمام الحكومة يكمن في ترجمة هذه المفاهيم “العلمية” إلى إجراءات عملية وملموسة على أرض الواقع. يتطلب ذلك نظرة إصلاحية تفكك كل عنصر تنموي على حدة ضمن سياق شمولي، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل منطقة. فما يعتبر أولوية في جهة درعة تافيلالت، قد يختلف عن أولويات جهة الرباط سلا القنيطرة، وهكذا دواليك. إن تعميم نفس الخطاب ونفس الحاجيات على كافة التراب الوطني يساهم في تعميق الفوارق وتكريس “مغرب السرعات المختلفة”، وهو ما يجب تجاوزه بتبني مقاربة تفاضلية تراعي التنوع الجهوي.
نحو اقتصاد اجتماعي شامل: إنصاف كافة الشرائح
لطالما ساد اعتقاد لدى شرائح واسعة من المجتمع بأن الاقتصاد الوطني يخدم مصالح فئة معينة، بعيداً عن تلبية الحاجيات الاقتصادية اليومية للمواطن. فالمفاهيم الاقتصادية الكبرى كـ “السيادة المالية” و”مناخ الأعمال” و”الابتكار” لا تعني الكثير للمواطن الذي يعاني من تداعيات الزيادات المتتالية في الأسعار وتآكل قدرته الشرائية. يرى المواطن أن المدخل الحقيقي للإصلاح الاقتصادي يكمن في تحسين الوضعية المالية للأسر، من خلال مراقبة الأسعار والتصدي لجشع بعض الفاعلين في سوق المواد الاستهلاكية الأساسية. يجب أن يتجاوز البرنامج الحكومي المزايدات السياسية، وأن يركز على إصلاح المنظومة الاقتصادية بما يخدم “جيب الأسرة المغربية” بشكل مباشر، ويضمن لها العيش الكريم.
السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي في خدمة المواطن
لا يختلف اثنان على أن تعزيز السيادة الوطنية والاكتفاء الذاتي في مجالات حيوية كالغذاء والصحة والطاقة والتكنولوجيا يصب في مصلحة المواطن. إلا أن المواطن، الذي يواجه تحديات يومية متكررة، يميل إلى التركيز على إصلاح حاضره أكثر من رهانه على المستقبل البعيد. فبينما تسعى الدولة لتعزيز مناعتها السياسية والاقتصادية والثقافية والمالية لمواجهة التحديات العالمية، يرى المواطن أن هذا المسعى لن يكتمل إلا بضمان كرامته وحقوقه في العيش الكريم والعدالة والديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الموارد المشتركة. ففي نهاية المطاف، لا يمكن الحديث عن سيادة حقيقية للمياه أو الغذاء أو الطاقة أو المال، بمعزل عن خدمة المواطن. إن سيادة المواطن هي الأساس الذي تبنى عليه سيادة الدولة.
تلك هي أبرز القضايا التي يتطلع المواطن المغربي لأن يجد لها صدى حقيقياً في البرنامج الحكومي. إن استلهام هذا البرنامج لقوته من التوجيهات الملكية السامية يجب أن يقترن بترجمة عملية لهذه التطلعات، لضمان بناء دولة اجتماعية قوية، قادرة على الاستجابة لمتطلبات الحاضر وتحديات المستقبل، مع وضع المواطن في صلب كل استراتيجية تنموية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق