صورة للشقيقتين ليان وليلى غبيس وابن عمهما محمد غبيس مع والدتهم أمامة في الولايات المتحدة، بعد سنوات من الفراق.
منوعات

منظمة قرى الأطفال الدولية: تقرير محجوب وتعويضات معلقة في قضية أطفال سوريا “المخفيين”

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تواجه منظمة قرى الأطفال الدولية (SOS) انتقادات متزايدة بعد قرارها حجب تقرير داخلي حول دورها في فصل الأطفال عن عائلاتهم خلال النزاع السوري، وتأخرها في تقديم التعويضات للعائلات المتضررة، رغم تعهدات سابقة بذلك. تأتي هذه التطورات في سياق تحقيق معمق أجرته وحدة تحقيقات بي بي سي آي (BBC Eye) كشف عن ممارسات خطيرة.

خلفية القضية: أطفال سوريا “المخفيون”

في فترة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، قامت الأجهزة الأمنية السورية باحتجاز مئات الأطفال وفصلهم عن ذويهم المعتقلين. وقد صدرت تعليمات لمنظمة قرى الأطفال (SOS) وغيرها من دور الرعاية بإخفاء هويات هؤلاء الأطفال وأماكن وجودهم. هذا الاستغلال للأطفال، كما كشف تحقيق “أطفال سوريا المسروقون” الذي بثته وحدة التحقيقات الوثائقية (BBC Eye) في سبتمبر/أيلول 2025 بالتعاون مع “لايتهاوس ريبورتس” وشركاء إعلاميين آخرين، كان يهدف إلى الضغط على عائلات المعتقلين السياسيين والتفاوض على صفقات تبادل الأسرى.

قصص عائلات متضررة: معاناة مستمرة

من بين القصص المأساوية التي وثقها التحقيق، قصة الشقيقتين ليان وليلى غبيس، اللتين فُصلتا عن والدتهما أمامة لمدة ثلاث سنوات. عند لم شملهما، لم تتمكن ليان، التي كانت تبلغ من العمر أربع سنوات آنذاك، من التعرف على والدتها. ورغم لجوء العائلة إلى الولايات المتحدة عبر برنامج أممي، إلا أن آثار تلك السنوات القاسية لا تزال تلقي بظلالها على حياتهم. تقول الأم أمامة لبي بي سي: “سواء كنا مع بعض أو كل واحد لحاله، ما بنقدر نوقف تفكير باللي صار معنا. التجربة تركت أثراً كبيراً على كل فرد من أفراد العائلة”.

كما وثق التحقيق قصة عبد الرحمن غبيس، الذي أُخذ ابنه محمد من المستشفى بعد أربعة أيام فقط من ولادته، بينما أُرسلت والدته إلى السجن. استخدمت قوات الأمن صورة الطفل للضغط على عبد الرحمن للمساعدة في تبادل الأسرى. وبعد سنوات من الفراق، تمكن عبد الرحمن من لقاء ابنه مجدداً ضمن صفقة تبادل.

تحقيق داخلي محجوب وخلافات متصاعدة

بعد سقوط نظام الأسد في عام 2024، أقرت منظمة قرى الأطفال الدولية بأن أكثر من 140 طفلاً نُقلوا إلى مرافقها من قبل قوات الأمن السورية. وعلى إثر ذلك، كلفت المنظمة، التي تعمل في أكثر من 130 دولة وتتلقى دعماً من الأمم المتحدة وحكومات أوروبية، شركة المحاماة النرويجية “ويرشولم” بإجراء تحقيق مستقل لتحديد المسؤوليات. سُلّم التقرير إلى المنظمة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وكان من المتوقع نشر نسخة منه بعد حجب أسماء الأشخاص المعنيين، حسب ما أفاد به المحامون لبي بي سي في يناير/كانون الثاني.

لكن في مايو/أيار، أبلغ رئيس مجلس إدارة المنظمة، دومينيكو باريزي، الموظفين في رسالة إلكترونية اطلعت عليها بي بي سي، أن التحقيق “تعرض للتقويض” وأن التقرير لن يُنشر. وفي تسجيل لاجتماع داخلي، اتهم باريزي موظفين لم يُكشف عن أسمائهم بمحاولة “التلاعب” بالتقرير لجعل المنظمة “تبدو وكأنها هي المُذنِبة”.

من جانبها، صرّحت المؤسسة بأن مراجعتها لا تزال جارية، وأنها لا تستطيع التعليق على المناقشات الداخلية. ومع ذلك، كشفت مسودة التقرير التي اطلعت عليها بي بي سي أن المؤسسة لم تُجبر على قبول الأطفال من الأجهزة الأمنية، وأن المكتب الدولي للمؤسسة في فيينا يتحمل المسؤولية النهائية عن مرافقها في سوريا.

انقسامات داخلية وتأخر التعويضات

أدى قرار حجب التقرير إلى تصاعد الخلافات داخل منظمة قرى الأطفال الدولية، مما يهدد بتفكك الاتحاد الدولي للمنظمة. وقد قررت جمعيات في المملكة المتحدة والنرويج وسويسرا والسويد وفرنسا وهولندا، وهي من كبار الممولين، الانسحاب أو التخطيط للانسحاب. وفي ديسمبر/كانون الأول، صوت مديرو الجمعية الألمانية “قرى الأطفال SOS حول العالم”، أكبر مساهم فردي، لصالح الانسحاب، لكن مجلس الرقابة الألماني ألغى القرار وأقال المديرين الثلاثة في فبراير/شباط، متذرعاً بـ”مخالفات جسيمة في أداء واجباتهم”، وهو ما ينفيه المديرون ويطعنون فيه قضائياً.

قبل إقالتهم، كان المديرون الألمان قد خصصوا صندوقاً لتقديم “تعويضات طوعية” للضحايا السوريين. ومع ذلك، تشير وثائق مسربة حصلت عليها بي بي سي إلى أنه لم تُصرف أي مبالغ حتى الآن. المتحدثة باسم المنظمة أكدت “استعدادها” لدعم المتضررين، لكنها ربطت ذلك بـ”شروط قانونية وعملية تتطلب التنسيق مع الأطراف المعنية”.

العائلات السورية المتضررة، بما في ذلك أمامة غبيس وعبد الرحمن غبيس، تؤكد أنها لم تتلق أي تواصل أو دعم من المنظمة، ولا تزال تعاني من الآثار النفسية العميقة لتلك التجربة. تقول أمامة: “كنت آمل أن تعتذر المؤسسة وتقدم لنا الدعم والتعويض عن الضرر الذي لحق بنا. لكن لم يتواصل معنا أحد من المؤسسة، ولم يقدموا لنا أي شيء”.

تعاون صحفي دولي

يُعد هذا التحقيق جزءاً من مشروع مشترك بين وحدة “بي بي سي آي” (BBC Eye) و”لايتهاوس ريبورتس” (Lighthouse Reports) وصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” (Süddeutsche Zeitung) ومؤسسة “وومن هو وون ذا وور” (Women Who Won the War) وموقع “الجمهورية” (Al-Jumhuriya).


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *