أثارت تصريحات الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الأخيرة التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، استغراباً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. لم تكن هذه التصريحات مثيرة للجدل فقط بسبب لغتها غير الدبلوماسية، بل لأنها تتناقض مع الواقع الدولي الذي يؤكد الدور المتنامي للإمارات كلاعب محوري في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن الإقليمي والوساطة الدبلوماسية.
الإمارات: قوة إقليمية ودولية متنامية
على مدى العقدين الماضيين، نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها كمركز مالي ولوجستي عالمي، وبوابة استثمارية حيوية تربط قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا. يتجاوز دورها ذلك ليشمل مساهمات متقدمة في الدبلوماسية الإنسانية والوساطات الإقليمية الفعالة. هذا التموقع الاستراتيجي لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة رؤية بعيدة المدى قائمة على تنويع مصادر الدخل، وبناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية، والاستثمار المستمر في القوة الناعمة والابتكار.
الخطاب الجزائري: مؤشر على أزمة دبلوماسية؟
في المقابل، يُنظر إلى الخطاب الصادر عن القيادة الجزائرية تجاه الإمارات على أنه يكشف عن ارتباك في مقاربتها الدبلوماسية. فبدلاً من تبني لغة المصالح المشتركة والحوار البناء، يتم اللجوء إلى خطاب تصعيدي يميل إلى تغذية الاستقطاب الإقليمي بدلاً من العمل على تهدئته. يعكس هذا التوجه أزمة أعمق تتعلق بتموضع الجزائر في محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات سريعة، حيث أصبح منطق الشراكات الاقتصادية والتعاون الأمني هو المعيار الأساسي للنفوذ والتأثير.
تحديات داخلية وأولويات الإنفاق
على الصعيد الداخلي، تثير الخيارات الخارجية للجزائر تساؤلات ملحة لدى الرأي العام، خاصة في ظل استمرار التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على معيشة المواطن اليومية. فمعاناة المواطنين من غلاء المعيشة وصعوبات توفير المواد الأساسية تتزامن مع تحقيق البلاد لمداخيل طاقية ضخمة خلال فترات ارتفاع أسعار النفط والغاز. هذا التناقض يغذي نقاشاً متزايداً حول أولويات الإنفاق العمومي، ومدى انعكاس الثروة الوطنية على تحسين ظروف العيش وتحقيق التنمية المستدامة.
الرهانات الإقليمية: دعم الجبهة الانفصالية وتداعياته
إقليمياً، يواجه استمرار دعم الجزائر لجبهة الجبهة الانفصالية انتقادات متصاعدة بسبب التكاليف السياسية والدبلوماسية والمالية الباهظة، وتأثيره السلبي على فرص الاستقرار والاندماج المغاربي. يرى العديد من المراقبين أن الرهان على صراعات طويلة الأمد، كدعم ميليشيات الجبهة الانفصالية، يستنزف موارد كان من الأجدر توجيهها نحو الاستثمار في التنمية الداخلية وبناء شراكات اقتصادية إقليمية تعود بالنفع المباشر على شعوب المنطقة المغاربية.
الدبلوماسية الرصينة ومستقبل المنطقة
تؤكد الوقائع الدولية الراهنة أن وزن الدول لم يعد يُقاس بالمساحة الجغرافية أو الخطابات التعبوية، بل بقدرتها على بناء التحالفات الفعالة، وجذب الاستثمارات، وتقديم نفسها كشريك موثوق به في عالم مضطرب. من هذا المنظور، تبدو محاولات التقليل من شأن الإمارات تعبيراً عن “شيطنة سياسية” لا تصمد أمام مؤشرات الواقع، وقد تُفاقم عزلة الخطاب بدلاً من تعزيز المصالح الوطنية.
إن الدبلوماسية الرصينة تقتضي احترام الدول، وتدبير الخلافات عبر القنوات المؤسساتية، وتوجيه الموارد نحو أولويات التنمية والاستقرار. ومع تصاعد وعي المجتمعات المغاربية بقضايا الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يتزايد النقاش حول ضرورة مراجعة خيارات تكلف الداخل كثيراً دون أن تُنتج مكاسب حقيقية في الخارج. فالمنطقة اليوم في أمس الحاجة إلى بناء جسور التعاون والتنمية المشتركة، لا إلى خطابات تبخيس تعمق الانقسام وتبدد فرص المستقبل.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق