شهد الشرق الأوسط تصعيدًا خطيرًا في الصراع الجوي الأميركي الإسرائيلي ضد إيران يوم الاثنين، مع مؤشرات قليلة على قرب نهايته. جاء هذا التوسع في العمليات بعد شن إسرائيل هجمات على لبنان ردًا على ضربات جماعة حزب الله، فيما واصلت طهران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية.
تداعيات إقليمية ودولية متفاقمة
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن العملية قد تستمر لعدة أسابيع، معربًا عن عدم وضوح بشأن القيادة الحالية في إيران، وذلك في أعقاب مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في الساعات الأولى من الحملة المشتركة. وقد أدى هذا التصعيد إلى إقحام دول الخليج في حرب أودت بحياة عشرات المدنيين في إيران وإسرائيل ولبنان، وأغرقت حركة النقل الجوي العالمية في فوضى عارمة. كما توقفت الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره خُمس تجارة النفط العالمية، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط.
حوادث مؤسفة وتصريحات متضاربة
في حادث يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة، أكدت القيادة المركزية الأميركية أن الكويت أسقطت
بالخطأ
ثلاث طائرات مقاتلة أميركية من طراز “إف-15 إي” أثناء تصديها لهجوم إيراني. وقد تمكن جميع أفراد طواقمها الستة من القفز بالمظلات وتم إنقاذهم. وأظهر مقطع فيديو، تم التحقق منه من قبل رويترز، إحدى الطائرات وهي تسقط ومحركها مشتعل. من جانبها، أعلنت الولايات المتحدة أنها قصفت أكثر من 1250 هدفًا في إيران ودمرت 11 من سفنها.
وفي سياق متصل، نفى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو استهداف القوات الأميركية للمدنيين عمدًا، وذلك بعد تقارير إيرانية رسمية عن مقتل أكثر من 160 شخصًا في قصف استهدف مدرسة للبنات. وأشار روبيو إلى أن الضربات الأميركية جاءت كإجراء استباقي لمنع هجمات إسرائيلية مخطط لها ضد إيران ورد إيراني متوقع على القوات الأميركية.
الموقف الأميركي والضغوط الداخلية
بالنسبة للرئيس ترامب، تمثل هذه الضربات أكبر مغامرة في السياسة الخارجية الأميركية منذ عقود، مبررًا إياها بوجود تهديد وشيك من إيران، دون تقديم تفاصيل تدعم هذا التقييم، وهو ما أثار تساؤلات بعض النواب الأميركيين. وقد أسفرت الهجمات الإيرانية على الكويت، ردًا على القصف، عن مقتل ستة من أفراد القوات المسلحة الأميركية. وتثير هذه الحملة العسكرية مخاطر سياسية كبيرة على الحزب الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خاصة مع إظهار استطلاع أجرته رويترز/إبسوس أن ربع الأميركيين فقط يؤيدون الحرب. كما أن ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة يضيف ضغطًا على الرئيس الذي يواجه استياءً متزايدًا بشأن تكاليف المعيشة.
البرنامج النووي والصاروخي الإيراني في صلب الصراع
في أكثر تعليقاته شمولاً، أكد ترامب أن الهجوم على إيران يهدف إلى عرقلة برنامجها النووي والصاروخي الباليستي المتنامي بسرعة، دون أن يقدم مؤشرات على قرب انتهاء العمليات. ومع حلول ليل الاثنين، أنذرت إسرائيل بهجمات وشيكة على مدن لبنانية، وأعلنت استهداف مجمع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في طهران. وشهدت تل أبيب انفجارات قوية نتيجة اعتراض صواريخ إيرانية، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقًا شن غارات على مراكز قيادة حزب الله ومخازن أسلحته في بيروت.
وصرح ترامب من البيت الأبيض: “منذ البداية، توقعنا أن تستمر الحملة من أربعة إلى خمسة أسابيع، لكن لدينا القدرة على الاستمرار فترة أطول بكثير”. وفي أول إحاطة رسمية للبنتاغون، أشار رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين إلى إرسال قوات إضافية إلى المنطقة، مؤكدًا أن الأهداف العسكرية “ستستغرق وقتًا لتحقيقها، وستكون في بعض الحالات عملاً شاقًا ومضنيًا”.
تحذيرات دولية ومواقف متباينة
حثت وزارة الخارجية الأميركية مواطنيها على مغادرة أكثر من 10 دول في المنطقة فورًا، بما في ذلك جميع دول الخليج والمشرق العربي، رغم صعوبة وتكلفة ذلك بسبب إغلاق المجال الجوي. ورغم إعلان دول الخليج العربية، التي تستضيف قوات أميركية، احتفاظها بحق الرد على إيران، لم يشارك أي حليف للولايات المتحدة باستثناء إسرائيل في الحملة. وقد انضمت أنقرة إلى روسيا والصين في إدانة الحملة على إيران، حيث وصفها الرئيس رجب طيب أردوغان بأنها “انتهاك واضح” للقانون الدولي.
تنفي إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، وتؤكد أن الهجوم الأميركي جاء دون مبرر، خاصة وأن طهران وواشنطن كانتا تجريان مفاوضات لإبرام اتفاق نووي. يذكر أن ترامب كان قد انسحب من اتفاق دولي سابق يحد من برنامج طهران النووي في عام 2018. وجدد ترامب دعواته للإيرانيين للانتفاض والإطاحة بقادتهم، لكنه أقر بعدم وضوح من يتولى المسؤولية هناك. وفي المقابل، أكد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أن بلاده لن تتفاوض مع الولايات المتحدة، فيما حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من عواقب وخيمة لمقتل المرشد الأعلى.
الوضع الداخلي الإيراني وتوسع جبهة لبنان
في إيران، حيث اكتظت الطرق السريعة بالهاربين من القصف، ساد الغموض بشأن المستقبل، وتباينت المشاعر بين الفرح والقلق والغضب. احتفل العديد من الإيرانيين علنًا بمقتل خامنئي (86 عامًا)، الذي حكم البلاد منذ عام 1989 وأشرف على أجهزة أمنية قتلت آلاف المتظاهرين. ومع ذلك، لم يظهر رجال الدين المحافظون أي نية للتنازل عن السلطة، ويقول خبراء عسكريون إن القوة الجوية الأميركية والإسرائيلية وحدها قد لا تكون كافية لإسقاطهم. ولم يستبعد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، يوم الاثنين، نشر قوات برية في إيران. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن ضربات في طهران استهدفت الجماعات الأمنية المسؤولة عن قمع الاحتجاجات، بينما تحدثت تقارير عن مقتل عشرات الإيرانيين في غارات استهدفت أهدافًا مدنية على ما يبدو.
توسعت الحرب بفتح جبهة جديدة في لبنان، حيث أطلقت جماعة حزب الله صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل. وردت إسرائيل بغارات جوية واسعة النطاق استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت الخاضعة لسيطرة حزب الله، وهاجمت قيادات كبيرة. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بمقتل 31 شخصًا وإصابة 149. كما أصابت طائرة إيرانية مسيرة من طراز شاهد، يُرجح أن حزب الله أطلقها، قاعدة سلاح الجو البريطاني في أكروتيري بقبرص. وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده ستحمي رعاياها دون اتخاذ إجراءات هجومية. وأعلنت إسرائيل أن نعيم قاسم، الأمين العام لجماعة حزب الله، “هدف للتصفية”، لكن المسؤولين أكدوا أنهم لا يدرسون حاليًا غزوًا بريًا للبنان، الذي حظرت حكومته أي أنشطة عسكرية لحزب الله.
هجمات على منشآت الطاقة والسفارات
في ظل الهجوم المستمر على حلفاء واشنطن في الخليج بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، تصاعد دخان أسود فوق المنطقة المحيطة بالسفارة الأميركية في الكويت. وسُمع دوي انفجارات مدوية في دبي والسمحة بالإمارات وبالعاصمة القطرية الدوحة. وأفادت وزارة الدفاع السعودية بتعرض السفارة الأميركية في الرياض لهجوم بطائرتين مسيرتين، مما أدى إلى حريق محدود وأضرار مادية بسيطة. ونقل مراسل شبكة نيوز نيشن عن ترامب قوله إن الرد على الهجوم الذي استهدف السفارة ومقتل الجنود الأميركيين سيُعرف قريبًا.
على الصعيد الاقتصادي، أوقفت قطر، أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال عالميًا، الإنتاج لعدم إمكانية الشحن بأمان عبر مضيق هرمز. كما أغلقت السعودية أكبر مصفاة لديها بعد أن تسببت غارات جوية بطائرات مسيرة في اندلاع حريق فيها، ضمن عدد من منشآت الطاقة التي استُهدفت.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا






