جنود إسرائيليون عند نقطة تفتيش في رفح، غزة، يقومون بالتدقيق في هويات الفلسطينيين وأمتعتهم.
السياسة

معبر رفح: دلالات التسميات الإسرائيلية الجديدة وتأثيرها على مستقبل غزة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أعيد فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر جزئياً أمام عدد محدود من الفلسطينيين، وذلك بعد إغلاق دام 18 شهراً، مصحوباً بقيود إضافية للتحكم في حركة العائدين. في هذا السياق، أقام الجيش الإسرائيلي نقطة تفتيش جديدة أطلق عليها اسم “ريغافيم” في منطقة تخضع لسيطرته خارج المعبر، مخصصة للقادمين إلى غزة من مصر.

مع بدء عبور الأفراد عبر البوابات يوم الاثنين، كشفت وثائق عسكرية إسرائيلية رسمية عن تسمية لهذه المنشأة تشير إلى أنها لم تعد تُعامل كمعبر حدودي بالمعنى التقليدي، بل كعملية للتحكم في السكان. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي نُشر على موقعه الإلكتروني يوم الأحد عن استكمال ما أسماه “نقطة تفتيش ريغافيم نيكيز”.

وبينما يصور الجيش الإسرائيلي هذه اللغة التقنية على أنها إجراء روتيني، يرى محللون تحدثوا لقناة الجزيرة أن اختيار كلمتي “ريغافيم” و”نيكيز” يحمل دلالات عميقة تكشف عن نوايا إسرائيلية طويلة الأمد.

دلالات تاريخية: “كتلة بعد كتلة”

بالنسبة للمحلل مهند مصطفى، فإن اسم “ريغافيم” ليس عشوائياً؛ بل هو محفز أيديولوجي متعمد يهدف إلى إثارة مشاعر القاعدة اليمينية المتطرفة للحكومة الإسرائيلية.

ارتباط بالذاكرة الصهيونية

يوضح مصطفى: “في اللغة العبرية، تعني ريغافيم ‘كتل ترابية’ أو أراضي صالحة للزراعة. لكنها ليست مجرد كلمة، بل هي محفز للذاكرة الجماعية الصهيونية لاستعادة الأرض”. يرتبط هذا المصطلح ارتباطاً وثيقاً بأغنية وقصيدة الأطفال الصهيونية “دونم بو في دونم شام” (دونم هنا، دونم هناك) لجوشوا فريدمان، والتي كانت نشيداً لحركة الاستيطان المبكرة. تحتفي كلمات الأغنية بالاستحواذ على الأرض: “دونم هنا ودونم هناك / كتلة بعد كتلة (ريغيف أهار ريغيف) / وهكذا سنستعيد أرض الشعب”.

ويضيف مصطفى: “بتسمية ممر رفح رسمياً بـ ‘ريغافيم’، يرسل الجيش رسالة ضمنية. إنهم يؤطرون وجودهم في غزة ليس كمهمة أمنية مؤقتة، بل كشكل من أشكال ‘استعادة الأرض’ المطابقة لأيديولوجية الرواد الأوائل”.

دلالات سياسية: “نموذج الضفة الغربية”

إلى جانب الحنين التاريخي، يرتبط الاسم مباشرة بمهندسي سياسات الضم الإسرائيلية الحالية: حركة ريغافيم.

حركة ريغافيم ودورها

تعد هذه المنظمة غير الحكومية اليمينية المتطرفة، التي شارك في تأسيسها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عام 2006، القوة الرئيسية وراء توسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وقد كشف تحقيق أجرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية عام 2023 كيف أصبحت المنظمة “ضابط استخبارات” للدولة، باستخدام الطائرات بدون طيار والبيانات الميدانية لرسم خرائط وهدم المنشآت الفلسطينية في المنطقة (ج)، التي تشكل 61 بالمائة من الضفة الغربية المحتلة وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة.

ويجادل مصطفى بأن تطبيق هذا الاسم على معبر رفح يشير إلى نقل نموذج “الإدارة المدنية” من الضفة الغربية إلى غزة. ويقول: “هذا يوحي بأن غزة لم تعد كياناً منفصلاً، بل منطقة تُدار بنفس الأدوات المستخدمة لمنع قيام دولة فلسطينية في يهودا والسامرة”، مستخدماً المصطلحات الإسرائيلية للضفة الغربية.

دلالات عملية: “علامة تجارية سياسية” و”مصرف”

يذهب المحلل إيهاب جبرين بتحليل اسم “ريغافيم” خطوة أبعد، مجادلاً بأنه تطور إلى “علامة تجارية سياسية” حديثة لليمين الاستيطاني، ويُستخدم لتطبيع الوجود الإسرائيلي طويل الأمد.

خطورة مصطلح “نيكيز”

ومع ذلك، يرى جبرين أن استخدام مصطلح “نيكيز” في البيان العسكري الإسرائيلي ينذر بخطر أكبر. ويصرح للجزيرة: “بينما تعمل ريغافيم كعلامة تجارية سياسية، يكشف نيكيز عن العقلية الهندسية الباردة للجيش. ‘نيكيز’ هي نقطة تصريف. إنه مصطلح هيدروليكي يستخدم لإدارة مياه الصرف الصحي أو مياه الفيضانات أو الري – وليس لمعالجة البشر”.

ويجادل جبرين بأن وصف معبر حدودي بشري بأنه “مصرف” يعكس ثلاث افتراضات مقلقة أصبحت الآن رسمية في العقيدة العسكرية:

  • تجريد من الإنسانية: “الفلسطيني لم يعد مواطناً. إنه ‘كتلة سائلة’ أو ‘تدفق’ يجب تنظيمه لمنع الفيضان”.
  • نهاية المفاوضات: “لا تتفاوض مع مصرف. رفح لم يعد حدوداً سياسية تخضع للسيادة. إنها مشكلة هندسية يجب إدارتها”.
  • بنية تحتية وليست حدوداً: “يتم الآن إدارة الأمن كنظام صرف صحي – تقني بحت، خالٍ من الحقوق”.

ويحذر جبرين: “هذا أكثر برودة وخطورة من الخطاب الاستيطاني المعتاد. إنه يحول القضية السياسية لغزة إلى وظيفة تقنية دائمة”.

صيغة “السيطرة الهادئة”

يتفق المحللان على أن التبني الرسمي لهذين المصطلحين يشير إلى واقع ليس انسحاباً كاملاً ولا ضمّاً معلناً.

غزة كفضاء مُدار

يوضح جبرين: “إنها صيغة ‘السيطرة الهادئة’. إسرائيل لا تحتاج إلى إعلان استيطان فوري للسيطرة على الأراضي. من خلال التعامل مع الأرض على أنها ‘ريغافيم’ (تربة يجب الاحتفاظ بها) ومع الناس على أنهم ‘نيكيز’ (تدفق يجب تصفيته)، فإنهم يؤسسون واقعاً طويل الأمد حيث غزة هي فضاء مُدار، وليست كياناً مستقلاً أبداً”.

ويوافق مصطفى: “اسم ‘ريغافيم’ يقول للمستوطنين: ‘لقد عدنا إلى الأرض’. والتسمية الرسمية ‘نيكيز’ تقول للمؤسسة الأمنية: ‘لدينا الصمام لتشغيل أو إيقاف التدفق البشري حسب الرغبة'”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة